بنية الرفض تعزف تراتيل الموت .. ميلودة عكرودي

عبد المجيد الباهيلي

 

ترانيم الحياة في ديوان «حبيق الموت» لعبد المجيد الباهيلي

«حبيق الموت» هو الديوان الزجلي الثاني للزجال المغربي عبد المجيد الباهيلي، الصادر بعد باكورته الأولى «سواك الخاطر»، رائحة عبقة تنبعث من «الحبيق» تكسر جدار صمت بليغ، يتدفق ترانيم نداءات يعزفها لفيف من القصائد التي تتفجر بوحًا صريحًا، وتضيئ خبايا جوانب مظلمة من الذات الشاعرة، حيث تنسكب اللغة سيلاً بوْحِيًا جارفًا يحكي قصة ألم يُعزف على امتداد قصائد الديوان، ألم يتجلبب في عباءة الموت.

عنوان هذا الأثر الإبداعي «حبيق الموت» يرسم كعتبة تمهيدية هوية للنص ويبني كونًا تخييليًا محتملاً، ينشئ من خلاله مبدع العمل أفق انتظارات محتملة، ويقدم إشارات تؤسس ميثاقًا pacte بين القارئ والعمل الإبداعي، فعبارة «حبيق الموت» من شأنها أن تضل القارئ لطابعها الثنائي المغرق في البساطة فقد يوقع هذا التركيب الإضافي الاستعاري الذي ينبني على التركيب بين لفظتي «حبيق» و«الموت» في ضبابية التعتيم الدلالي، فهذا الدمج ليس مجرد حذلقة بلاغية، بل هو إيحاء بتساؤل وجودي مركزي حول العلاقة الجدلية بين الموت والحياة، وهو ما يدفعنا إلى طرح العديد من الأسئلة التي تتغيا الكشف عن وشائج الربط والتغريض الدلالي التي تخلق انسجامًا علائقيًا بين ما يكثفه العنوان من دلالات تنثر مضامينها عبر مدارج القصائد الزجلية.

كيف يصبح «الحبيق» منطلق التبرعم وولادة الحياة لأفنان الزهر في الآن نفسه فضاءً مكانيًا لاستقبال الموت؟ ألا يعد تقديم «الحبيق» على لفظ «الموت» في تركيب العنوان تأكيدًا على كون الحياة هي البداية والنهاية، وما الموت إلا مرحلة انتقالية للوصول إلى حياة الخلود.

ولعل نظرة استطلاعية في المتوازيات النصية لهذا العمل، إلى جانب العنوان كالإهداء «إلى الموتى الأحياء» والفهرس الذي يضم تسع عشرة قصيدة، تسع منها تنتقي لفظ الموت عنصرًا من عناصر تركيب عناوينها، هو ما يجعلها مركزًا منظمًا للخطاب داخل الديوان، يبرز هوس الانشغال بفكرة تحضر كرؤيا لمبدع ذي نظر ثاقب حصيف، رؤيا ذات بعد أنطولوجي يمتد إلى الماورائيات.

 

بنية الرفض

تتأسس في الديوان بنية للرفض، رفض واقع الظلم والزيف الملون بمسحة حزن رقيق لا تكاد تخطئه عين.. منذ بداية الديوان يقول في قصيدة «وحش الروح»:

الحياة زوقوها بالبهوت

والخاوي غادي ويعرض

ارميت عاري

ودريت أحلام المشموت

ما طحنت الرحى

من قلة العراض

غربلوه الخوت قوت

يفتن الرضا

وبالحقد عمرو الحواض (ص14)*2

وهو رفض يصل حد فقدان الأمل واشتهاء الموت/ الرحيل حين تغلف الأفق عتمة السواد وتلف الأجواء نغمة التشاؤم، الذي يصيب الفكر بالجمود والتفاهة السالكة دهاليز الجهل والقهر:

مزور دماغ جيل

قبور مستفة لتبراز

وانا عذفت العز دليل

التغراز فملكي حواز

اتشهيت عرسي ارحيل

يريح لعزاز

نعي الروح (ص15-16)*2

لذلك تستحيل الكتابة أداة سحرية تعين الزجال على استعذاب «نبة الروح» يقول :

مدليه احروف المعن جمرات

تخركـ بياض الورقة دمعات

فيضة على ميدة الضيوف وجبات

نطرز القصيدة بجوهر الحريفات

اتنسيني فحزاني

لهاجمه بظلم الطغات

مصدق إحساسي الدخلاني

اللي خلاني سيب فجنة الروح (ص18-19)*2

إنه تطهير Katharsis بالمفهوم الأرسطي أي تفريغ على المستوى العاطفي بواسطة آلية البوح الزجلي، إذ يستحيل الحرف في هذه التجربة ترياقًا للشفاء وقنطرة عبور للتحول من المدنس/ المادي إلى المثالي/ الطاهر الذي ينأى عن صفات النفاق والمداهنة والتملق، هروب من هؤلاء الذين يزيفون الحقائق ويبيعون أحلام البسطاء، لذلك يتسلح الزجال بالصبر لمواجهة دناءة المصير يقول:

هذ النوبة

تحرفت الصبر

تقفت القفل

اعذفت الطيبوبة

الرضعاني طفل (ص23)*2

ويلوذ بالحرف والكلمة التي تبقى رهانًا صادقًا يبكي مأساة الواقع ويخرج بدراماتيكية صور ندوب الذات حياله يقول:

ندري غديدي شقوف

نحس بي عقل

محصن ومعقل للحروف (ص25)*2

وتتناسل صور الرفض داخل الديوان لتحكي لنا قصة هؤلاء البسطاء المقهورين الذين أحالت وطنهم يد العبث «روضة الحيين»، إذ يحيون داخل واقع مأزوم تبقى فيه أحلام الشرفاء مبتسرة، يأملون بفرح يشرق، وفرج يتدفق من أنات الزمن يقول:

ذاتي توحشت التراب

يسربي ادموعوا شراب

انفيت الجاي فـ اللي غاب

خاثرة شهوة فحزة الجلاد (ص29)*2

جواب تصاب

قبل يقراوه ولاد وبنات

وتحناو بزز فهاذ البلاد

الجيد فيهم ولا كراب

وتبقى سمة النضال أهم ما يميز مسار هذه التجربة، التي تتسلح بسيف الكلمة وأسنة الحروف يقول:

إيلا حطيتي السلاح

راه الميعاد مزمم

والي شاف

وعاش الموت

وسط القباااح

الباقي فحياتو

كلو ربااااح (ص42)*2

ويقول :

جوادي فصفي

تصفي للغا

لمحرم أديان

وجلادي خلفي

عياه تقطاعي

سيفو حضي

كل طرف مني

يتسيف ليه ديوان (ص65)*2

يعدو الإبداع أداة لمواجهة حلكة الواقع والانتصار لأبطاله المسحوقين، لذا يردد أدونيس في ديوانه شعرًا منثورًا قائلاً: «أصدقائي وأنى نكتب لتلك الجهة المطموسة من عروبة القلب.. لأولئك المسحوقين يموتون وهم يتقاسمون الرغيف، لأولئك التائهين يسقطون وهم يتشبثون بالأعالي، يشاركون الحقول كآبة الجذب ويصادقون الهواء.. لأولئك المنبوذين ينتقلون الأودية ويلتحفون الجبال» *1

وفق هذا المنظور الملتزم لا يصبح الموت بالنسبة للزجال مصيبة عظيمة بقدر ما يكون العيش بانهزامية وذل أكبر موت يقول:

وتجريبة اصعيبة للمظلوم

يعيش فنفسه مردوم

مغبون يتمعن

الطيش ماشي

ويكول للحياة

حتى أنا مولود باش نكون: (ص38)*2

وكأن الزجال في ديوانه ينشد مع أبي الطيب المتبني بيته:

وإن لم يكن من الموت بد

فمن العجز أن تكون جبانا

إذ يرفض أن يكون حيًا/ ميتًا ويصوغ إحساسه شجنًا أنطولوجيًا مريرًا في الحكمة القائلة،” ليس من مات فاستراح بميت، إنما الميت ميت الأحياء. وهكذا يتحدد الواقع في هذه التجربة أرضًا للآلام، أما الموت فهو مرحلة للانتقال إلى أرض اليقظة الأبدية والحياة الفاضلة، وما دامت الحياة حالة صراع دائم، لا نلوم الزجال على اتخاذه الموت وسيلة للهروب، وعذرًا للخلاص والرحيل الذي كان مطلبًا للمتنبي حين قال:

فالموت أعذر لي والصبر أجمل بي

والبر أوسع والدنيا لمن غلبا

هوامش:

*1ـ أدونيس ص 71 ديوان «شهوة تتقدم في خرائط المادة».

*2ـ «حبيق الموت» زجل عبد المجيد 4 الباهلي ص 2018 – مطبعة وراقة بلال.

* المغرب.

شاهد أيضاً

فاطمة عبد الله

الموال صوت إنساني ممتد .. فاطمة عبد الله

  يلعب الفولكلور بموضوعاته المختلفة دورًا حيويًا في تشكيل حياة الأفراد وموقفهم من التطور والنمو؛ …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية