برميل مكدوس .. علي إبراهيم دريوسي

 

لا زلت أذكر بدقةٍ ما حدث معي هناك في روضة الأطفال.

قال أحمد وتابع حكايته:

أذكر أنَّنا كنا في الروضة حوالي ثلاثين طفلاً وطفلة في عمر البراعم، مَحْشورين في غرفةٍ مُستَّأجرة من الطابق الأرضي لأحد بيوت القرية في أسفل الضيعة، تقع الغرفة على تقاطع زقاقين ضيقين، فيها نافذتان واسعتان، إحداهما تطلُ على نقطة عَلاّم غير قابلة للنسيان، حانوت عزيز والمُلقَّب باِسم أبو قَرْوُّشْ، والواقع في الزقاق الموازي لمدخل الروضة والمؤدي إلى خمَّارة الشيخ رويش، أما النافذة الثانية فتُشرف مباشرةً على بيت البَنَّاء يوسف البَلَّة، البيت المتواضع والمتواجد على زاوية اِلتقاء زقاقين، تمامًا في نهاية الزقاق القادم من بيت أم سامر ميسورة الحال.

وسلوى التي كانت تقودُ فريقَ الأطفال اِعتادت أن تَجحَظ عيناها، تَتَمَلْمَل في جلستها الخشبية منتظرة موعد الانصراف. تصرخ في كلّ الاتجاهات، يخترق صوتها المُؤنِّب الحّاد حيرة المكان. لا تحلم إلا باِقتراب نهاية الشهر كي تقبض راتبها لتوفر أكثر، كي تشتري لاحقًا ذهبًا أو كحلاً لعينيها المُدَوَّرتين. لم تكن مُؤَهَّلة لِلْقيام بعملها كمعلمة روضة، لكنها صارتْ ودخلتْ تاريخ الذاكرة دون شهادة تأهيل، زكَّاها أهل الضيعة، وافقوا على استلامها الوظيفة.

في الساعة الثامنة من صباح كل يومٍ تصل أم سامر وقد رسمت على وجهها المُدوَّر ابتسامة، اِمرأة ثلاثينية مكتنزة الجسد، رأسها كبير وشعرها مُجعَّد، تقف أمام تلك النافذة نصف المفتوحة لغرض التهوية دون أن ترغب بدخول غرفة الصف. من خلال القضبان الحديدية للنافذة كانت تمد يدها البيضاء القابضة على جسمٍ إسطوانيّ ملفوفٍ بأوراق الجرائد إلى أقصاها حتى يلامس صدرها أسياخ الحديد الباردة. ترتفع كمة فستانها ليظهر ساعدها الثخين المُزيّن بأساور الذهب العريضة وقسمًا من زندها البضّ.

في اللحظة نفسها ينهض اِبنها المُدَلَّل سامر ليتناول من يدها الممدودة سندويشته اليومية برميلية الشكل ذات الرائحة الخشنة. لم تكن مجرد سندويشة خفيفة مدهونة بقطعة جُبن، بل سندويشة من العيار الثقيل، خبزة مرقدة دائرية بقطر يصل إلى حوالي ستين سنتيمترًا ومَحْشُوَّة بالمكدوس.

وكان الأطفال كما العادة جياعًا في الصباح، لأمعاءِ الطفولة حفيف خريفيّ حزين، لا أحد يخطئ هذه الرائحة الغاوية أو لديه القدرة على تجاهلها، رائحة الباذنجان الصغير والمعبّأ بالثوم والجوز والفليفلة الحمراء وزيت الزيتون، لا أحد يخطئ رائحة المكدوس في أرغفة الخُبْز الطَريّ من فرن دياب.

ما إن تنهض سلوى لتُودِّع المرأة المَيْسُورة، حتى يسيل لُعَابُها هي الأخرى في التوقيت نفسه كأنَّها كلب بافلوف. كلّما عضّ سامر على برميله المكدوسيّ ونهشَ جزءًا منه كلما فاحت الرائحة أكثر، فيتأوَّه الأطفال حالمين بيومٍ يستيقظون فيه وشَظايا المكدوس تَتَنَاثر عليهم جميعًا دون تمييز كأوراق شجر الخريف على الدروب. تتَوارَى سلوى خلف الباب، تلتهم بَيْضتها المَسْلُوقة خِلْسَة فتتكاثر الروائح الكريهة وتتزاوج.

أخذ أحمد اِستراحة قصيرة جدًا واِستأنف قصته: 

وأنا الجائع الذي اِشتهيت تلك اللُّقْمَة نظرت حولي، لم أرَ أحدًا وكأنّ الأطفال قد تَبَخَّروا، حملتُ حقيبتي القُمَاشية وغادرت الروضة كطيف. يومها لم أكن قد تجاوزت الرابعة من عمري. مشيت ومشت معي دروب القرية حتى وصلت بيتنا، حيّيت شجرة التوت في البهو الصغير، بحثت بعينيّ عن أمي، وجدتها مع أختي وحَبَّات عرقٍ تَتَصَبَّب على جَبينِهما. كانتا قد جلستا تحت الدرج المُوصل إلى سطحِ البيت وبقربِهما وابور كاز صاخب، حمل على رأسه طنجرة ألومنيوم كبيرة راح غسيلُ البيت يغلي بداخلها.

سألتني أختي بدهشةٍ: لماذا عدتَ هذا اليوم مُبكرًا على غير العادة من روضة سلوى؟

كان جوابي حاضرًا: لقد طلبتْ منا الآنسة أنْ نعودَ إلى منازلنا، أماكن الجلوس في الروضة غير كافية هذا اليوم، سيأتي أطفال من مدينةٍ أخرى، مُحمّلين بسياراتِ شحنٍ.

بَدا وكأنّ أختي الكبيرة، التي لم تتجاوز آنذاك الرابعة عشرة من العمر، لم تقتنع بالسبب أو لعلّها اِقتنعتْ لكنّها وجدتْ أنَّ سلوى لا تملك الحق بتصريحٍ من هذا النوع. كانتْ أمي كعادتها غاضبة، لم تدخل حكايتي إلى رأسها، أومأت لابنتها كي تعيدني إلى الروضة وتستفسر عمّا حدث.

حزينًا جدًا رافقتُ أختي في طريق العودة. ما إن وصلنا حتى سألت أختي:

ـ مرحبًا آنسة سلوى، متى ستأتي الشاحنات المحمّلات بالأطفال؟

ردّت سلوى بامتعاض:

ـ ما الذي تقصدينه يا صبية؟

ما إنْ روتْ أختي لسلوى الحكاية كما رويتها لها ولأمي في البيت، حتى جنّ جنون المعلمة، قَذَفَتْ الْمُخَاطَ منْ فَمِها إلى وجهي بِلا حَياءٍ، صرخت بأعلى صوتها:

ـ أحمد ولد كَذّاب، قليل أدب، عد إلى كرسيك.

عدت إلى مقعدي، خائفًا، خائبًا وخجلاً من فعلتي، بينما أخذ سامر، بشعره المجعد ووجهه الأحمر المُدَوَّر، يلعبُ بصوت عالٍ، بعد أنْ دفنَ في جوفه برميلاً من المكدوس المَحشوّ بالإِثْمِ والثُوْم ومُسوِّغات هروبي.

*سوريا ـ ألمانيا.

* قصة قصيرة من من كتاب: اعتقال الفصول الأربعة.

شاهد أيضاً

سهام محمد

وأرجع أقول ما لقيتلوش ديل .. سهام محمد

  ـ «جميلٌ، يغرِّدُ منطلقًا من غصنٍ لغصنِ، وصبيٌّ بنَبْلةٍ يُوقعَه!» يقولُ متعجبًا ـ «عَيْبٌ …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية