الوشاش .. سيومي خليل

سيومي خليل

 

«الوشاش» اشترى حذاءً أسود ذا كعب عالٍ مثل الذي كان يرتديه الممثلون في أفلام الكوبوي. لم تكن على جانبه تلك النجمة التي تتحرك كلما تحرك الكوبوي. كان حذاء من الأحذية التي يعرضها «الباساج» المقابل لسينما الروكسي في المدينة القديمة بمدينة آسفي.

حينها كان هذا الحذاء يعرض على أوراق إشهار قليلة جدًا، ويقدم في إشهارات تلفزية قليلة. الحديث عنه كان مغريًا مثلما كان الحديث عن أحذية «تمبرلند». من لم يرتدوا يومًا غير نعال رخيصة، أو «صنادل حلومة»، أو «سبادريات البال»، كانوا حتمًا سيرون الحذاء بقدمي «الوشاش».

حذاء سندريلا. لم نكن حينها نعرف سندريلا، لكننا كنا نعرف الوشاش. لم يشترِ الحذاء فقط، بل اشترى «سلوبيت» أزرق فضفاضًا. كانت موجة السلوبيت منتشرة، واقتناء واحد منها كان دونه السبع المثاني بالنسبة لنا الذين لم نكن نعرف شكل «ماية دريال شقفة».

نحن الآخرون سنشتري سلوبيت لكن بعد أن أصاب المد الموجة، وبعد أن رخص رخص التراب، ولم يعد له وجود إلا في أكوام الملابس المستعملة، سنشتريه كي نعد ولو من الطبقة المتأخرة لعشاق الموضة.

أضاف «الوشاش» إلى الحذاء والسلوبيت «بودي» ضيقًا من النيلون، كانت عليه رسمة غريبة لوجه دون ملامح. ثم اشترى «نظارة رايبن» كي يكمل «الكوتليت» بشكل جيد.

قبلها كان يمر من أمامنا نافخًا صدره حاملاً حقيبة رياضية. لم يكن يتحرك إلى قاعة الرياضة قبل أن يتأكد أن الجميع رأوه وهو ذاهب إليها. حين سافر إلى طنجة للحصول على «الدوباج» الذي ينمي العضلات لم يسكت لحظة وهو يتحدث عن كيف سيصير جسده بعد هذا السفر. جاء بعلبتين كبيرتين اعتقدنا أن بهما «دقيق الفورس»، وبمجموعة من العلب الصغيرة التي تحتوي على أقراص مختلفة الأشكال. كان قد مر حوالي نصف سنة عن سفره هذا، وحين شعر أن جسده تحول بفعل الدوباج الذي يتناوله إلى جسد رياضي متناسق، هبط إلى المدينة ليقتني حذاء كوبوي وسلوبيت وبودي ونظاظر ريبن.

نفس الملابس التي اشتراها هي التي كان يرتديها أحد أبطال المجلات التي كان يتملاها دائمًا. لم يكن يعرف المكتوب على أوراق المجلة، ولم يكن يهمه أن يعرف ذلك، كان يتصفح أجساد الأبطال المربوعة والمنحوتة لا غير، ويحضنها قبل أن ينام. قام بتكبير صورة أحد أولئك الأبطال وعلقها في صالون الحلاقة الذي يمتلكه. كان البطل يرتدي حذاء كوبوي وسلوبيت وبودي ويضع نظارة سوداء. كان جسد البطل مثل جرف قام أحد النحاتين بتحويله إلى جسد. هكذا كان «الوشاش» يريد أن يكون.

في المساء الذي ارتدى فيه تلك الملابس، لم يرض أن يحلق رأس أي زبون أبدًا. ترك أمر الحلاقة لأحد معاونيه، وظل هو واقفًا أمام باب المحل يستعرض ملابسه، ويستعرض ما كان يظن أنها عضلات رياضي متناسقة.

من بين كل الذين كانوا يرونه، وكن يرينه، لم يكن راغبًا إلا في واحدة فقط. كان يحب أن يتباهى أمام الجميع، لكننا كنا نعلم أن الأمر كله يخص «مولات الخبز» تحديدًا. فتاة لم تكد تتجاوز الخامسة عشرة من عمرها حتى انفجر جسدها كالعناب والزعرور البري. تمشي وراء والدتها جهة «السويقة» لبيع الخبز تاركة أعينا كثيرة تلاحقها.

ستة أشهر من الرياضة والسفر إلى طنجة وشراء ملابس غريبة فقط كي تنتبه له مولات الخبز. لم تمر ذلك المساء وظل هو في مكانه آملاً أن تمر لتنظره بشكله الجديد.

من درب بوعزة الذي تدلف منه عادة مولات الخبز ظهر مجموعة من المراهقين الهائجين. الجميع يتصايح ويتقافز ويرمون بعضهم بالحجارة. انقسم المراهقون صفين وبدؤوا يرمون بعضًا بالحجارة. تحت حماسة الملابس والشكل الجديد للوشاش تدخل لإبعاد هؤلاء «البراهش» من الشارع، فإذا بحجرتين متوسطتي الحجم تسقطان في نفس الوقت على رأسه، وتتركانه ممددًا «دودة» على الرصيف، الدم يسيل من رأسه، ومن منخريه.

هرب المراهقون، وخلا محل الحلاقة، وخلا الشارع إلا من بعض الرجال الكبار، ودار حديث عن موت بطعم الأسى حدث ذلك المساء في الحي. ستظهر مولات الخبز وهي تدلف من درب بوعزة في نفس الوقت الذي كانت سيارة الإسعاف تحمل الوشاش. كان ممددًا على نقالة ومغطى بثوب أبيض تخضب بحمرة الدم. نظرت مولات الخبز تجاهه وهو ميت وقالت:

ـ مسكين تعداو عليه.

شاهد أيضاً

سهام محمد

وأرجع أقول ما لقيتلوش ديل .. سهام محمد

  ـ «جميلٌ، يغرِّدُ منطلقًا من غصنٍ لغصنِ، وصبيٌّ بنَبْلةٍ يُوقعَه!» يقولُ متعجبًا ـ «عَيْبٌ …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية