الهمج .. رحاب السماحي

رحاب السماحي

 

بعينين ذابلتين أذابهما السهر ترمق وجهها المستدير، الذى صبغته الهالات السوداء، بنوع من الغموض والريبة، وأنفها الرومانى الذى ينم عن شموخ وأنفة، فضلا عن نبل المحتد، تحاول أن تتأنق قليلاً.. تصبغ شفتيها باللون الوردى الذى تفضله موحيا ببعض من طفولة مصطنعة.. تجذب البلوزة لأعلى حتى تغطى أكبر قدر من جسدها، وتلتفت للخلف لترى إن كان السروال يغطى مفاتنها جيدا، وتشعر بالتقزز من ذلك الجسد الذى يجلب عليها الخزى والعار.

نعم أكره جسدى.. تحادث نفسى بصوت مسموع هذا الجسد الذى جعلنى سلعة، شيئًا بخس الثمن.. فلم أحب ذلك الجسد الذى يعطى ذريعة للشيوخ بجعلى مجرد عورة.. نقطة ضعف يجب تغطيتها بالأكفان المتسربلة السوداء حتى توارى الثرى بالكفن الأبيض بعد صراع مع حياة لا ترحم  ضعفها.

كم تمنت أن تصبح رجلاً متاحًا له كل شيء بلا خوف ولا لوم.. فالمجتمع يقدم له المبررات الجاهزة دومًا حتى يسكن ضمير مطاطى يسع كل وزر.. يقطع شرودها صوت والدتها «ستتأخرين».. تقولها الأم فى فتور.

تلقى بقصتها بعيدًا عن جبينها فى حركة عصبية محاولة أن تزيل عن نفسها كل إغراءات الأنوثة، والتى قد جالت بخاطرها كسحابة زرقاء رائقة سرعان ما انقشعت تحت سطوة قناع الرجولة الذى سترتديه بعد قليل، ليكتسي وجهها بالصرامة والخشونة.

تحاول أن تعلق مخاوفها الحقيقية على المشجب فلا تستطيع إلا أن تحمل فى حقيبتها حبات رمادية من تلك المخاوف العنيدة.. يباغتها القلق كغول يقبض على قلبها بكل قسوة.. يجب أن تعترف أنها تخشى الخروج للشارع الذى تملأه عصابات الموتى الأحياء، الذين تسيطر عليهم أفكار شبه جزيرة الهمج.. أشكال بغيضة.. نظرات قذرة.. شياطين من الإنس يحاولون التهام جسدها بعيون شبقة ملتاعة.. يمتصون رحيق الحياة بداخلها.. يقتاتون على كيانها ويهددون وجودها ذاته.. يرونها مجرد فريسة تبحث عن صياد.. معادلة معكوسة لعقول خربة.

تصفع نفسها قليلاً لتوقظ نفسها من سيل أفكار موجعة لا تجعلها حتى تفكر فى أن تطل من الشرفة، ولكنها مضطرة أن تخرج.. ترتدى سترتها الفضفاضة التى تهيل بها التراب على جمالها حتى لا تصاب بألفاظ نابية.. وكى لا تنغرس أنياب أحد الهمج فى لحمها.. ترفع شعرها وتربطه؛ فهى لا تقوى على تركه يسترسل على كتفيها.. فأبت إلى أن تخنقه جيدا وترحل ضائعة مشتتة تخشى الضباع.

شاهد أيضاً

شريف عابدين

بأقل قدر من وهج  .. شريف عابدين

  تألقي.. بأقل قدر من وهج يتأجج في هدوئه المعتق منذ استرسال كاليستو كقمر رابع …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية