النصف الآخر من الكرة .. نادية شكري

نادية شكري

 

مرت بذهني لوهلة قوانين الطفو والكثافة التي درسناها بالمرحلة الثانوية، مكعبات خشبية صغيرة تسبح في حوض الصاج الأبيض الممتلئ حتى منتصفه بالماء، وأمين المعمل يحركها بيده ويضغط عليها ليثبت لنا الأستاذ كل ما قاله العلماء الذين كانوا يرقدون في حقائبنا، بين صفحات المقررات الدراسية، عن كثافة الماء وقدرتها على رفع الأشياء.

أغمضت عيني في بطء وتركت حواسي تتناثر من حولي على صفحة الماء، وارتخت عضلاتي في استلاب مستعذب، وبدت فقرات الظهر مشدودة وبجواري نامت ذراعاي في استسلام.

الشمس لافحة في هذه الظهيرة، تسطع على وجهي، تخترق الجسد الطافي وكأنها تريد أن ترى وجهها في مرآة جسدي.

تسربل الخدر ثقيلاً في البداية ثم بطيئًا فأبطأ، في أرجحة لينة، والماء يغطي أذني مع حركة مده وانحساره، فتتوه مخارج الألفاظ من حولي، وتتفكك الكلمات فتتناثر الأحرف دون قيود فوق سطح الماء كفقاعات، حتى وإن تحولت بعد ثوانٍ إلى لا شيء.

الجنود كانوا يلقون بزّاتهم العسكرية على الشاطئ ويرتمون في القناة، تجدف أيديهم مع صديقاتهم، ونكاتهم تصل إلى آذاننا بلغتهم العبرية والتي نفك رموز بعضها بالكاد، ونحن رابضون على الشاطئ الآخر.

انتابني إحساس بأن جبال سيناء التي تقف في شموخ عاجز عن الحراك تتفل في القناة، وبعد خروج الجند من الماء كنت أشم رائحة كريهة.

الأشجار بطول القناة غير مصفوفة، بعضها متهلل بالسواد من آثار حرائق القنابل والبارود. بقايا الدشم المتآكلة لا تزال تنظر في استعداء في اتجاه الضفة الأخرى.

أقراط البلح تتدلى في ثريات كبيرة تثقل رؤوس النخيل فتتمايل مع نفس الهواء الذي كان يحرك العلمين المثبتين على الضفتين.

أشجار الفاكهة تنتشر على الطريق، ترسل رائحة الثمار الناضجة، ويطل الغروب برأسه في الأفق يرسم خطًا أشهب لامعًا بين سحابة داكنة، وكأنه يمنعها من الالتقاء بتلك الدوائر البرتقالية التي تبسطها الشمس لتقف فوقها في عبورها نصف الكرة الأخرى، تخترق سحاب الشرق وتصب على أرضه من أتونها طوال النهار، وعندما لا يتبقى سوى تلك الهالات البرتقالية القانية، تسوي ثيابها لترحل آيبة من ليلة عرس مفروض، إلى فجر الغرب.

بائعو المانجو على يمين الطريق يفرشون أقفاصهم في صمت، بينما ترقد ترعة آسنة من جهة «اليسار» تغالب رائحة الفاكهة.

ـ فيم شرودك؟

قالتها زوجتي وهي تفتعل فرملة خفيفة مداعبة كي أستفيق.

قلت: تغيرت كثيرًا تلك البقعة.

ـ التغير سنة الحياة.

ـ نعم السنين تغير كل الأشياء حتى نفوس البشر.

سألت:

ـ تغيير إلى الأحسن أم الأسوأ؟

مطت شفتيها الممتلئتين وكانت قد فرغت لتوها من طلائها بلونها القرمزي المفضل.. قالت وهي تغالب اقتحامًا من شرود الذهن:

ـ لا أدري.

واقتحمت ابنتي الحديث لتقول في محاولة من جانبها لتصديق نفسها:

ـ أخيرًا لدينا سيارة.

ولم يشأ الصغير التنازل عن غيرته من مشاركة شقيقته نقاشنا، قال وهو بين النوم واليقظة من مجهود اللعب والسباحة:

ـ انتى بتسوقي صح ماما؟

ضحكنا، تنهدت ونحن ننحني بالسيارة في منعطف دائري لنترك خلفنا نقطة مرور عسكرية كانت لها مهام أخرى في السابق، يجلس جنديان من أفراد الشرطة العسكرية في استرخاء تحت مظلة خشبية وكوبين من الشاي فوق صينية نحاسية صفراء تابعة للمقهى المقابل، وكانت زوجتي لا تزال تمط شفتيها بحثًا عن إجابة، بينما السيارة تشق الطريق وسط الظلام.

شاهد أيضاً

محمد عبد الرحيم

أنا وحبيبتي نسكن في المزرعة السعيدة .. محمد عبد الرحيم

  أنا وحبيبتي نسكن بالمزرعة السعيدة، نزرع طعامنا من الفاكهة والخضروات الطازجة، كالإجاص والمشمش والعنب، …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية