المهاتما رامز .. عبد العزيز دياب

عبد العزيز دياب

 

الألقاب الطيبة لا تلتصق إلا بمن يستحقها، وأنا أستحق لقب مهاتما: «المهاتما رامز»، لذلك كانت أمامي مهام كثيرة، دخلت دكان الحلاق وأنا أهتف هتافًا حماسيًا: أنا المهاتما رامز!

لم أجد من الحضور الكريم زبائن الحلاق إلا نظرات بلهاء وأفواه مفتوحة، تركوني أردد هتافي دون أن يسألني أي واحد عن معنى كلمة مهاتما التي لا أعرفها أنا شخصيًا: أنا المهاتما رامز…

الثرثرة عند الحلاقين منهج وفلسفة، وكانت كلمة مهاتما هي أول الخيط الذي أمْسَكَ به الحلاق إلى أن خرجت من عنده، خيط متين ومشدود عن آخره، سألني عن السبب الذي جعلني مهاتما، وخطط المهاتما رامز المستقبلية، وعلاقة هذه الكلمة بأن يجعل رأسي صفحة بيضاء لامعة، أسئلته الكثيرة كانت جادة وتحمل نبلاً كبيرًا، عميقة ومتلاحقة، جعلتني أشعر أنني بالفعل مهاتما.

عِدَّة أمتار من الكتان أو الدَّمور عندما أتلفح بها تجعلني أقترب بدرجة كبيرة من اللقب، لم تبق إلا عصا معوجة أقطعها من شجرة، عصا لا أهش بها على أصدقائي طلاب فصل 1/ 3، إنما أهش بها أعدائي مدرسي الجغرافيا بالمدرسة.

ولأن لقب مهاتما لابد وأنه سيلتصق بي دون غيرى، فلن أسمح لأى شخص آخر أن يكون مهاتما، حتى لو أصبحت هيئته تشبه كثيرًا مهاتما، ستكون بيننا حروب طاحنة تخلف وراءها خسائر كثيرة: ضياع الحقيبة المدرسية للمهاتما «خميس»، كسر ذراع المهاتما «حامد»، قطع بطول لا يقل عن 20 سنتيمتر بقميص المهاتما «وسيم»، علمًا بأن كل مهاتما من هؤلاء المهاتمات لا يرافقه اللقب إلا بشكل عارض لأنه سيستقر عندي كما تستقر السفن وترسو إلى رصيف الميناء.

كان لابد أن تنتهي الحرب لصالح مهاتما واحد فقط، ولأن «سوسن» حبيبتي تنتظر عودتي وأنا أحمل لقب «المهاتما رامز»، سأعمل جاهدًا للحصول عليه، لحظتها أستطيع الجهر بقصيدتي التي أتغزل بها في عينيها وشفتيها، و…، أستطيع نشرها في صحيفة المدرسة الورقية المثبتة بالحائط بجوار مكتب مدير المدرسة، علمًا بأنني أعرف أن شخصًا كريهًا سيقوم بتمزيقها لأنه لن يكون أبدًا مهاتما، يحتفظ بقطعة الورق المدون بها أبيات القصيدة، يختلي بنفسه في أقصى الفناء، يقرأها كثيرًا ويبكي، هذا لأنه لم تكن له سوسن، أو نعمت، أو انتصار.

بالفعل أصبحت أنا حامل اللقب بعد أن استطعت أن أقود ثورة عنيفة ضد اضطهاد السادة مدرسي الجغرافيا لأنهم يقذفوننا في عرض الأنهار والمحيطات دون أن نكون مسلحين بالخرائط اللازمة، فنخرج من الحصة مبلولين، والبنات انفكت ضفائرهن وسقطت الفيونكات، هذا ما لم أرض عنه أبدًا، لذلك كان لابد من إيقاف كل شخص عند حده، دخلنا حجرة الجغرافيا ونحن نحمل المشاعل على طريقة فيلم «شيء من الخوف».

مخالفة لمنهج المهاتما في المقاومة أتلفنا كل الخرائط، لم نكترث بالماء الذي اندلق من أنهارها.. محيطاتها.. وأغرق كل شيء، هبط نازلاً الدرج من الدور الثالث إلى الفناء وهو يكتسح كل ما أمامه، وكانت سوسن حبيبتي تقف في شرفة الجناح الآخر وهي ترن الزغاريد، تهتف باسمي «عاش المهاتما رامز.. عاش المهاتما رامز»، لذلك كنت في مقدمة المسيرة التي تجوب الشوارع، أقف عند كل ناصية وأنا في هيئة المهاتما وحشد كبير خلفي يهتفون.

حدث كل ذلك وأنا لا أعرف معنى كلمة مهاتما التي كان لابد أن أتسلح بها وأنا أواجه كل من في البيت عندما يسألونني عن قميصي وبنطلوني، وحقيبة كتبي، عن حذائي الذي استبدلته بالخف الذي تلبسه قدماي، كذلك كان ينبغي أن أخبرهم أنني الروح العظيم لمدرسة 16 مارس، وأن سوسن ستكون قرينتي وحبيبتي، ترن الزغاريد وهي تهتف «عاش المهاتما رامز»…

شاهد أيضاً

قيس عبد المغني

اندمي .. قيس عبدالمغني

أطلقي أثر الفراشة في مجاهل الحزن وفي تفاصيل البلاد التي تسكن في دمي.. اندمي ستوفرين …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية