المفردة وإعادة تحديث الشعر .. المهدي الحمروني

 

المفردة الشعرية هي وعاء المعنى، وهي أداته الطيعة في استدعاء الصورة، واستدراج توالد تفرعاتها وتناسلها في بنية النص، بتوابعها من اشتقاقات يجترحها حس الشاعر ومخيلته لثراء كنز مصادرها، إنها أبعد من مجرد أنابيب زجاجية تملأ أرفف معمل اللغة، فثمة حدس كيميائي يتملك الشاعر لانتقاء ما يستوعب المعادلة وموازينها المحققة لبنية نصه بحدة بصيرته قبل سطحية باصرته، هذا ما يفسره الصوغ لدى شاعر أعمى كبشار في قوله:

كأن مثار النقع فوق رؤوسنا

وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه

أو في قوله:

وكأن تحت رضابها قطع الرياض كسين زهرا

وكذلك قول الأعمى الآخر (المعري) في وصف الليل الذي لم يره:

ليلتي هذه عروس من الزنج عليها قلائد من جمان

 

لطالما شكّلت المفردة بطواعيتها شركها اللغوي، وخلخلت نظم أخيلة الشعراء، فسلبت قوام المعنى من ثوب الصورة كقول كثيّر في أبياته مثار جدل النقد، رغم جمالها:

ولما قضينا من مِنىً كل حاجة

ومسح بالأركان من هو ماسح

وشُدت على حدب المهاري رحالنا

ولم ينظر الغادي الذي هو رائح

أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا

وسالت بأعناق المطي الأباطح

هذه الموازنة الهندسية دقيقة وحساسة تتوكأ على إحساس عالي الشغف، وتتهيب مجرد الارتكان لمهارة الصنعة، وهنا يتضح الفرق في الشاعرية المطبوعة عن المتكلفة، وفي هذا المسار انتبه الناقد البروف نور الدين الورفلي لمحطات شعراء ثلاثة بأزمنة مختلفة (امرؤ القيس وذو الرمّة والمتنبي)، حين أحدثوا تجديدهم وابتكارهم ومفارقتهم في القافية (المفردة)، بفعل عبقرية ما أود تسميته” إعادة كاملة ومراجعة لمخاض اللغة في ديناميكية مفرداتها”، وهي تنطوي على عملية غربلة أقرب لتكرير الحليب بالصورة البدائية، فيما نسميه (المخض) لتحويله لمنتجاته المختلفة من لبن وزبد وسمن ولبن مجفف، وهو يعتمد على أداة المخض ” الشكوى”، وأداء يعتمد على دقة ومزاج تلهبه أحاسيس الآونة، ناهيك عن ما يمكن إضافته من نكهة للمُنتَج باختيارات المنتِج، وهذا لا ينافي أو ينفي خصوصية الموضوع والبيئة وتشكيلها لمفرداتها، حين ننتبه أن ذا الرمة مثلاً مستفرد بقاموس لا ضفاف له في مشهد الناقة ولوحة الصحراء، لكن الصياغة المعجونة بالوجدان هي الفارق في التدفق النائي عن الصنعة، وهي هبة حيوية تتلاقح مع قدرة توظيفية عالية، تغدو كافلة ومسئوولة عن خلق المعنى وتوليده في صور مبهرة على مشهد وشاشة النص.

وهذا ما انتبه إليه امرؤ القيس والمتنبي حين أتمّا تحديث اللغة الشعرية وإعادة اكتشاف بنائها.

* ليبيا.

شاهد أيضاً

لذة السرد في (لعبة الملاك) .. حميد الربيعي

  قراءة في رواية الكاتب الأسباني كارلوس زافون برشلونة، عام ١٩٠٥، يفتتح فيها لأول مرة …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية