المرأة والشعر الشعبي في سيدي خالد .. حياة بزيو

حياة بزيو

 

المقدمة

إنّ الأدب الشعبي ضارب في أعماق الوجدان الإنساني، فهو المرآة العاكسة للتراكم الثـقافي المتوارث، وحافــظ للأفكار والمعتقـدات وكافة تحديات الحياة اليومية لعصر ما، في مجتمع ما، ويمثل ثروة تاريخية قيّمة تكاد تندثر مع ما تحمله من أفكار المجتمع وهواجسه لأنها تجسّد ذلك الخاطر الوامض الذي يمر بالذهن، وهو الصورة الصادقة للوجدان التي تمثّـل سلطة الضمير العميق، والروح الـتي تنتقل من الآبـاء إلى الأبناء عـبر انصهار موروث ثقافي وحضاري زاخر بكل تفاصيله وتفصيلاته ومكنوناته، ومن أهم فروعه الشـعر الملحون الذي عـرف نهضة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وقد كان رواده ورواته يتميزون بإلمامهم بثقافة عصرهم و مجتمعهم، واهتمامهم بأدق تفاصيل الحياة رغم المستوى المعرفي البسيط لتلك الحقبة، وهذا ما جعل الشعر الشعبي يمتاز بثراء موضوعاته واتساع نصوصه اتساعًا لا يحيط بها جامع أو باحث.

لقد عرف الأدب الشعبي في كل أنحاء العالم إقبالاً كبيرًا من الدارسين والباحثين وحتى من الهواة، خصوصًا أنه شهد نهضة خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر حتى أنهم أدرجوا له قواعد ونظُمًا عرفت لاحقًا بالفلكلور[1]، إلا إنّ هذا المجال عندنا ما زال متعثرًا ولم يزل البحث في هذا الموضوع يخلو مـن الجدّية في الطرح والشمولية في الدراسة، ولعل أبرز أسباب تعثره هو الفكر الديني المحافظ المتقوقع على ذاته، الذي يعتمد على دعوى المحافظة على التراث المقدّس خوفًا من ضياع الدولة الإسلامية الزاهرة، بالإضافة إلى التيار القومي الذي حاول جاهدًا صهر كل مقدرات الأمة ومجهوداتها الفكرية في معين واحد، كما ساهمت النزعة الاشتراكية الوطنية في ذلك كونها مؤسسة رسمية ضمن أيديـولوجيتها المعروفة والمعلنة والتي ترى في محلية الآداب الشعبية عقبة في سبيل تحقيق الوحدة الوطنية، وفي هذا السياق يقول فاروق خورشيد (هذا هو الموقف المتجنّي من التراث الشعبي واعتباره مرة عقبة في سبيل استمرار الفكر الديني المتطهّر ومرة مجرد حكايات عجائز وأدب عوام لا قيمة له)[2]، ورغـم هذه العوائق نجد ثلّة من الدارسين والباحثين سواء على الصعيد الوطني أو المحلي الذين استطاعوا الخوض في هذا المجال وتجاوزوا الصعوبات، نذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر الدكتور عبد الحميد بورايو، التلى بن الشيخ، البشير الإبراهيمي، روزلين ليلى قريش…

                    

قال ابن خلدون (الشعر ديوان العرب ضمّنوا فيه علومهم وابتكاراتهم) فكما كان الشعر العربي منبرًا للعرب ولسان حالهم  فكذلك الشعر الشعبي له نفس الأهداف والغايات، فهو يصور آلام الإنسان وعلاقاته وحياته اليومية وطموحاته، يقول أحمد الأمين (أن البحث لا يكمن في جمع النصوص وطبعها ونشرها بل يكمن في دراستها وتحليلها وربطها بالواقع الشعبي الذي نشأت به)[3].

وإيمانًا مني بأهميته وضرورة المحافظة عليه وما يحتّمه الواجـب علينا لمن سبقونا، وللأمانة التاريخية شرعت في تأليف هذا الكتاب الذي خصصته لشعر المرأة الشعبي في مدينة النبي خالد والذي لم أركز فيه على جمع المادة الشعرية بقدر ما اهتممت فيه بتحليل جانب دقيق مرهف ودراسة جوانبه الاجتماعية والنفسية والقيمية لأني أردت أن أثري المكتبة الجزائرية بمادة شعرية جديدة، وأن أساهم في الجانب الذي لم ينل حظه في الدراسة كما نال شعر الرجال في البلدة ـ التي اصطلح على تسميتها مدينة الشعراء ـ الذين على الأقل نالوا نصيبًا من أهل التخصص والباحثين وعشاق هذا النوع من الأدب الشعبي من أبناء المنطقة أو من خارجها، مثل كتاب «فحول الشعراء» للدكتور أحمد الأمين و«ابن قيطون» للأستاذ عاشور أحمد، و«حرزالله بلقاسم» للأستاذ حرزالله محمد العربي، و«بن عزوز الخالدي» للأستاذ علوي محمد، و«مؤلف الشيخ السماتي» للأستاذ إبراهيم شعيب.

 

والذي حفزني إلى تأليف الكتاب عدة دوافع تتلخص في:

ـ البحث عن وجود المرأة الفاعلة في بيئة شاعرة خصبة بالموروث الديني والأدب الشعبي، حافلة بالزوايا وكبار شعراء الملحون، وامرأة شاهدة على أروع قصص الحب البدوي في تاريخ الجزائر الحديث والتي تجسدت في ملحمة حيزية لابن ﭬيطون.

ـ التأكيد أنّ المرأة بالنسبة للشعر الشعبي ليست مادة للاستهلاك فقط حيث يستمدّ منها الشاعر موضوعاته، بل هي أيضًا مبدعة ولها زاويتها من الخلق والإبداع والتميز.

ـ محاولة التعريف بالمرأة الشاعرة في البلدة وحق بعض الشاعـرات علينا ـ أقول البعض ـ لأن الكثير ضاع ونسيت أسماء قائلاته والحفاظ على أشعارهن وعلى مواهب ظلت دفينة بسبب العادات والتقاليد البالية آن لصاحباتها أن ترى كلماتهن النور، يقول محمد حرزالله العربي (.. وإن كانت هناك موهبة مغمورة قتلتها روح القرية فإن مواهب أخرى تفتقت واستطاعت أن تكسر سلطان التخلف عبر مراحل صعبة[4]).

ـ حيوات آن لها أن ترى النور.

ـ الإفادة من مسنات البلدة وذاكرتهن العجيبة رغم أميتهن واللّائي يحفظن الكثير من الشعر الملحون والقصائد الفصيحة، كقصائد كتاب مجموع القصائد[5] ومن كتاب سيدي العروسي[6] والحكم والأمثال وشجرة الأنساب والقصص الشعبي وحكاياتهن الحزينة عن الجدّات ومواهبهن التي دفنت معهن.

ـ إثراء مكتبة الأدب الشعبي بشعر قديم يكاد أن يندثر إلى جانب تبعثره بشكل كبير.

ـ التعريف بالشعر النسوي في سيدي خالد وما حمل من وجدان ومشاعر وعواطف وحس وطني.

وقد قسمت الكتاب إلى فصلين أساسين هما:

الفصل الأول: وهو عبارة عن دراسة أدبية ونقدية عامة لشعر المرأة في البلدة، والتي تزامنت مع نهضة الشعر الشعبي بداية من منتصف القرن التاسع عشر تعـرضت فيها للعوامل التي سـاهمت في تكويـن المرأة الشـاعرة وصقل موهبتها، ثم الموضوعات الشعريــة الـتي تناولتها الشاعرات.

بالنسبة للعوامل قد صنفتها إلى إحدى عشر عاملاً هي:

1 – وجود ضريح النبي خالد بن سنان العبسي.

2 – المقامات والشواهد.

3 – تظاهرة يوم 26 من رمضان.

4 – مهرجان ” التجيار”  كظاهرة  ثقافية (وما يلحق به من ديوان قصادة).

5 – المولودية (الاحتفال بالمولد النبوي الشريف).

6 – العادات والتقاليد (الأعراس، التويزة، المواسم).

7 – جغرافية المنطقة (واد جدي).

8 – وجود المدارس القرآنية والزوايا.

9 – الأدب الشعبي الموروث (السير، الأحاجي، الأمثال، الخرافة، المغازي…).

10 – الإرث الشعبي الشفوي (الترديدات الغنائية، الأهازيج).

11 – التأثير الذوّادي والهلالي وأعراش أخرى.

وإن كنت اكتفيت بهذه العوامل فمن الطبيعي أن تكون هناك عوامل أخرى من وجهة نظر أخرى لم أصل إليها.

 

الفصل الثاني: وقد أفردت فيه باقة من أبرز الشاعرات اللواتي استطعت الحصول على جزء قيّم من أشعارهن، وعددهن إحدى وعشرون شاعرة مع الترتيب حسب حروف الأبجدية العربية.

وضعت لكل شاعرة ترجمة متواضعة عن حياتها وتدوين البعض من آثارها رغم شحّ المصادر، مع شرح إجمالي للقصيدة وبعض الكلمات الصعبة، واستعنت في ذلك بأكبر عدد من الراويات والمهتمين بهذا الأدب مثل الشاعر الراوية الحاج لعمارة.

في الأخير، رغم سعادتي الغامرة وأنا أجول سائحة بين أشعار الخالديات، وأتمتع بكنوز ثمينة تكاد تضيع، فقد واجهتني مجموعة من الصعوبات لعل أبرزها:

ـ ضياع قصائد بكاملها أو أجزاء منها بسبب اللاّمبالاة والنسيان.

ـ عدم وجود مراجع مكتوبة إلا فيما ندر.

ـ اختلاف الروايات في قراءة القصيدة من حيث ترتيب الأبيات، وفي بعض الأحيان إضافات أو ضياع مقاطع منها، وفي أحايين كثيرة لم يبق منها إلا البيت اليتيم.

ـ وجود قصائد مجهولة النسب واعتمدت فيها على المختصين في هذا النوع من الأدب، وقد استعنت بخبرة الراوية الشاعر لعمارة الحاج[7] الذي يستطيع تمييز أسلوب الشعر النسائي عن أسلوب شعر الرجل، حتى مـع جهله بهوية القائل في بعض الأحيان.

ـ تمنّع البعض عن المساعدة فيما يخص جمع الشعر، وقد يكون أسـوأ عائق لأنه فعل معطّل للثقافة وللفكر، زيادة على أنهم يحتكرون ملكية غيرهم.

ـ حجب بعض الأسماء بطلب من أصحابها، خاصة في القصائد الغزلية، بل والاحتفاظ بقصـائد جـميلة منها احترامًا لرغبة الراويـات أو أهـل الشاعرة.

ـ تفرق الكثير من القصائد وتناثرها بين الراويات وبعـض المهتمين، فكان لزامًا بذل جهد كبير لإعادة تركيبها قدر المستطاع، والحفاظ على وحدة موضوعها مع عدم الإخلال بمضامينها، وكذلك الكثير من القصائد المروية المحفوظة بالتواتر رويت بروايتين فما أكثر، واستعنت ببعض العارفين المحليين بالشعر الملحون لاختيار نص واحد لإدراجه بالكتاب، والاحتفاظ ببقية  النصوص.

بالنسبة للقصائد؛ اعتمدت في تحليلها على شرح إجمالي للأبيات الشعرية  وليس على شرح المفردات، يقول عبد القادر الجرجاني (عندما يخاطب  المتكلم سامعًا لا يقصد إفهامه الكلمات المفردة وإنما هو النظم) فالألفاظ  خدم المعاني، وشرح المفردات وحدها يؤدي بنا إلى دراسة شكلية للقصيدة وإفراغ النص من محتواه، فهناك من لا يبهره النص الشعري أو الشكل الجمالي للقصيدة رغم كونه مهتمًا بدراسة التراث الأدبي، لهذا ارتأيت أن أعمل على نقل المعنى الإجمالي بدل تحويل النص إلى مجرد كلمات.

هناك نقاط يجب توضيحها قبل قراءة الكتاب، حتى لا يقع القارئ في لبس أو سوء فهم لمغزاه:

الكتاب لا يطرح ولا يناقش فقهًا، كما أنه ليس دراسة اجتماعية تهدف إلى تصنيف العادات إلى سلبية وإيجابية، وما ورد في بعض أجزاء الكتاب من أشعار وأزجال أو من شروحات لها لا يعبّر بالضرورة عن آرائنا أو معتقداتنا، وإنما أردت التأريخ لشعر المرأة في البلدة لفترة زمنية محددة، وهي القرنين التاسع عشر والعشرين بحياد وأمانة، هذا لأنني لست بصدد محاسبة أناس أفضوا إلى ربهم، عاشوا مرحلة غير مرحلتنا بظروفها الثقافية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية، فما وقع أصبح في عالم الحتميات، والتحفظ عليه  لن يغير من أمره شيئًا.

وفي الأخير أقول، مهما حرص المؤلف على أن يكون كتابه تامًا في موضوعه إلا أنّ وصول هذا السعي الممدوح إلى الكمال مستحيل، ولن  يخلو مبحث من هنّات وزلاّت وأخطاء.

أشكر كل من قدّم لي عونًا وشارك في تذليل الصعوبات، وشكري الجزيل للشاعرات والراويات اللائي تجاوبن معي بشكل ودّي، أشكر بعمق كل من ساندني، وأتمنى أن يكون هذا العمل قد نفض غبارًا عن جزء من شعر المرأة  في بلدة النبي خالد، كما أتمنى أن يستأنس به الطلبة والدارسون والمثقفون بصفة عامة.                                   

وما توفيقي إلا بالله

 

مدخل

رغم أن موضوع الكتاب يتناول شعر المرأة بشكل خاص في هذه البلدة، إلا أنّه من الضروري أن نمرّ بتعريف موجز بالمنطقة وبظروفها الاجتماعية والثقافية خلال القرنين المنصرمين.

سيدي خالد، أو مدينة النبي خالد، واحة تقع في الجنوب الشرقي من الوطن على بعد 100 كلم غرب مقر ولاية بسكرة، و400 كلم عن الجزائر العاصمة، تتربع على مساحة تقدر بـ 21.260 كلم2 يمر بها واد جدي، وهو أطول أودية الصحراء، ينبع من جبال لعمور أحد سلاسل الأطلس الصحراوي، مناخها صحراوي جاف.

تقول الشاعرة[8] في ذلك:                                                                          

أمَّة عَينِي ﭭــــــالو بْــــــلَادْكُمْ شَينَة

ومَا عَمّرْهَا غَيرْ السَافي[9] والغَبّارْ

نُطْلُبْ ربِّي عَظِيــــمْ القُـــدْرْة يَاتِيهَا

بْمُزَنْ غْزِيــــرْ تَتْعَاودْ بيهْ لَخْبَـــــارْ

ويزَخْرَفْ ﭭَلبِي كِيمَا يزَخْرَفْ النُّوَارْ

وكانت البلدة القديمة تقع على ضفة وادي القليسي[10]، أما حاليًا فهي تقع على الضفة الشمالية لوادي جدّي الذي يقسمها إلى قسمين تمتّد على جنباته غابات نخيل التمور وبساتين مثمرة، وهي تنتمي إلى واحات الزيبان الغربية، يحدها من الشمال الغربي بلدية الشعيبة ومن الجنوب البسباس، ومن الشمال الشرقي أولاد جلال، وتقترب الشاعرة برباص سالمة[11] من تحديد الحدود:

تَحْيَا بْلاَدْ سِيدِي خَـالَدْ مِنْ البَسْبَاسْ للهُوبَة

ومِنْ الجَلْفَة  وَالاغْوَاطْ  وِلاَيِتْنَا بَسَكْرَةوَ تْحَدُنا الزِيبَانْ

احْفَظْهَا يَا رَبِي وَاولَادْ نَايِلْ مْعَانَا فِي الدِيوَانْ

وعلى العموم لا يتميز موقع سيدي خالد الجغرافي بمميزات معينة، اللهم مرور وادي جدي.

وقد أخذت المدينة اسمها نسبة إلى النبي خالد بن سنان بن غيث بن ريطة بن مخزوم بن مالك بن غالب بن قطيعة العبسي، أين يتواجد قبره وقد عدّه الصاوي حميريًا.

تتنوع القصص والروايات عن السكان الأوائل للبلدة على ضفاف وادي القليسي، والذين هاجروا بفعل فيضانات قوية اجتاحت المنطقة، ويرجح البعض أنها بسبب تعدّي قبائل بني هلال على مزارعهم الموجودة على الضفة الأخرى، فاضطروا إلى نقل مساكنهم لحمايتها، لكن بعد نشأة البلدة على الضفة الشمالية لوادي جدي، والتي يرجع تاريخها إلى قرون طويلة، سكنتها عدة أعراش التي انتهت بها إلى تشكيلتها السكانية الحالية، وتصف الشاعرة سالمة سيدي خالد في تلك الفترة وصفًا دقيقًا للمجتمع الموزع بين قلب “الدشرة “[12] وحاراتها الأربع والمحلاّت التي ينزل بها البدو الرحل سواء من سكان البلدة أو من التجار الوافدين:

الجَامعْ الكْبير يَبْداَ بَاهْ يـبدا

يحْفرو السَاسْ ويحُطّو الحْجَرْ والغَرْﭬَـة هـدَّة[13]

بْلادْ سيـدي خَالد تْحمِّي المَا في لَسْطَالْ

والصْلاَةْ منْ الفَجَــرْ تَبـْدَا

رَحْبَةْ سِيدي خَالدْ بْلاَدْ البرَاكَة اِيجِيهُم اُولادْ دَرَّاجْ

والكَيَلْ بَالّـرُّبْعِي[14] يبْدَا

فلاّحة سيــدي خالد  يَسْقوا بالنَّاعُورة والخُطَّارَة[15]

وثمرتهم في الصيف والخريف تبدا

منْ رُودْ لَغْـواطْ [16] للقاعة

شَعَبْ سِيدِي خَالدْ عـدَّة[17]

سيدي خالد جزء من التراب الوطني الذي انتقل من تبعية الدولة العثمانية، بكل تأثيراتها ومؤثراتها، إلى سيطرة الاستعمار الفرنسي، وما جرّه من معاناة وتبعات كارثية، ورغم أنها مجرد قرية صغيرة صحراوية معزولة إلا أنها شهدت زخمًا ثقافيًا ميزها عن بقية المنطقة، وهي ظاهرة ملفتة جدًا وتستحق الدراسة، لا سيما في النهضة الشعرية التي بدأت مع النصف الأخير من القرن التاسع عشر بظهور مجموعة من الشعراء الشعبيين المتميزين، كابن يوسف والشيخ السماتي وبن عزوز الخالدي، ولعل أبرزهم ابن ﭬيطون الذي ذاع صيته برائعة حيزية، وأهم ما تميزت به البلدة مسجد خالد بن سنان الذي مثل نقـطة عبور مهمة لأركاب الحج من بلدان الغرب الإسلامي لتنطلق منه يوم السادس والعشرون من رمضان كل سنة، آخر ركب مرّ بها كان سنة 1952.

والمدينة مقسمة إلى أربعة أحياء رئيسية هي القبالة والظهارة والشراﭭـة والغرابة، يتوسطهم مركز (نواة) ما يعرف بالدَّشْرَة التي تفضي إليها جميع الحارات، وبناؤها لا يختلف عن نمط البناء العربي الملائم للمناخ الحار، وقد أشار الشاعر الكبير بن يوسف لهذا التقسيم في قصيدته المعروفة باسم “الخالديات”، والتي يتوسل فيها إلى الله بطلب الدعاء له من بنات النبي خالد لما لهن من كرامات، كما كان يشاع أو يعرف:

رُوحْ (لَغْرَابَتْــهُمْ) غَـرَّبْ

تَـلْقَى الزَّينْ لَمْعَجَّبْ

رُوحْ (لّلِظهَارة) تْجِي غَيْرْ

نْخِيـلْ امرمد في الْلبا

رُوحْ (لِّلشِرَاﭬَـة) خَفْ ازْرَبْ

تلقى الزَّيْــــنْ  اللِّي  يعْجَبْ

تلقى  الحَذْرِي مـدَّرَڨ

بَالَاكْ تَخْدَع يا شُومَانْ

يَا سْعِيفِي رُوحْ اغْــدَا

(للقبالة) في صَمـْدَة[18]

غَيْــر حْمَامْ  بَرِّي فِي سَدَّة

حـاكَمْ  رُوسْ جْبـالْ

ومن الطبيعي في تلك الحقبة الزمنية ظهور سلوكيات تدل نوعًا ما على العصبية القبلية، وعلى تعلق سكان كل حيّ بحيّهم والغيرة عليه، ويتجلى هذا التنافس في ظاهرة التجيار التي تتولى كل حارة من الحارات الأربع الجهة المقابلة لها، فالحارة الشرقية مسؤولة عن الحائط الشرقي والغرابة عن الحائط الغربي وهكذا، ومن القصائد الجميلة عند المرأة التي تعبّر ببساطة عن نزعة التعصب، قصيدة لشاعرة من بين أقدم الشاعرات في المجموعة حدّة حيمر[19]، تتحسر فيها على انتقال صاحبتها فاطنة دلول لحارة أخرى بعد زواجها، وكأن صديقتها تغربت أو لم تنل حظًا وافرًا بالبقاء في حارتها حيث يقطن أبناء عرشها:

بَنَتْ الدّْلاَلَة (مَّامَّا) زَيْنَة التَحْمـَالَة[20]

الشَفّة مَذْباَلة والشْوَارَبْ دَمْ ضْحِيَة

نَدّْهِي جَـدّك ولاّ ربِّــي يَقَبـلْ طَلبْـــك

[1]– فلكلور: مصطلح إنجليزي يعني علم الشعوب أو التراث ظهر في 1846، هو مجموعة الفنون القديمة والقصص والحكايات والأساطير المنحصرة ضمن عادات وتقاليد مجموعة سكانية معينة في بلد ما.

[2]– كتاب الأدب الشعبي العجيب،ص 11.

-[3] محمد العربي حرزالله: ك، الظاهرة الثقافية في سيدي خالد، ص 426.

[4]– حرزالله محمد العربي، المرجع السابق، ص53.

[5]– كتاب مجموع القصائد والأدعية، يضم 56 قصيدة، عبارة عن أدعية ومدائح.

[6]– كتاب سيدي لعروسي يحتوي على نثر ونظم عن السيرة النبوية.

-[7] شاعر شعبي وراوي (1959).

[8]– رواية خديجة بوطة (1941).

[9]– السافي: التربة الرقيقة.

[10]– واد فرعي يصب في واد جدي.

[11]– انظر حياتها في فصل الشاعرات. 

[12]– الدشرة: (دارالشراء)، المقصود بها سوق البلدة.

[13]– هدّة: كثيراً.

[14]– الربعي: أداة كيل سعتها 10 لتر.

[15]– الناعورة: أداة سقي تقليدية  تعتمد على جهد الحيوان ، الخطارة : أداة سقي تقليدي تعتمد على الجهد العضلي .

[16]– رود لغواط: من أقدم الشوارع، يفصل بين البلدة القديمة و الجديدة.

[17]– كلمة محليّة تعني الرقم خمسة وهم فرق عرش الخوالد ( أولاد علي، حسين ، داود، وعباد، ميمون ) .

[18]– صمدة: هضبة.

[19]– أنظر فصل الشاعرات.

[20]– التحمَالة: المقصود به حزام مصنوع بخيوط ملونة تتزين به المرأة.

شاهد أيضاً

خلود البدري

الواقعية السحرية في مجموعة «عصا الجنون» .. خلود البدري

  عن دار «ميزوبوتاميا» للطباعة والنشر والتوزيع، صدرت المجموعة القصصية «عصا الجنون» للروائي والقاص أحمد …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية