المرأة العربية والصور النمطية إلى متى؟ .. ليلى أولادهي

 

ليلى أولادهي

 

عانت المرأة ولا تزال من انعكاسات التمثلات والصور النمطية على موقعها في المجتمع، فكان للنظرات الدونية والتصورات التحقيرية أثر واضح في تهميش المرأة وتكميمها عبر عدة قرون، وتحويلها لكائن مستهلك ومستسلم تابع، ورمز لكل أصناف الدناءة والشرور.

وتجمد دورها في أشغال المنزل وتلبية رغبات الرجل الجنسية والإنجاب. ورغم ترسخ الأحكام الجاهزة بشكل سيكوثقافي عميق، إلا أن النهضة الفكرية والعلمية الحديثة في العالم والإكراهات المعيشية والتحولات الاقتصادية فرضت واقعا جديدا حول المرأة تدريجيًا، من صورة الطرف الخاضع المنتظر للقمة العيش من طرف سيده الرجل، والمستجدي رضاه، إلى نموذج امرأة مواطنة بناءة تتقلد المناصب والمسؤوليات، وتساهم في بناء الوطن بالفكر والعلم والعمل، جنبًا إلى جنب رفيقها الرجل.

ورغم أن التمثلات السلبية قاومت أفكار المساواة والاحترام المتبادل، ولا تزال تؤثر على تحرر المرأة كليًا من القيود التقليدية والنظرة القدحية، إلا أن تكرار الحضور الفعلي البنّاء خارج المنزل في الزمن والخطاب التجديدي، مع تكثيف الدراسات العلمية بخصوص التمثلات وسبل معالجتها، سيكون له بالغ الأثر في التقليص من زخم الآراء السوداوية والأحكام الجاهزة الموروثة حول النساء إلى أدنى مستوياته.

وجب الإشارة إلى أن التمثل هو تأويل يتأثر بالمحيط، وينبني على مراحل سابقة، وتنظيم ذهني معين، في مرحلة نمو محددة. وهو ما يجعلنا نطرح التساؤل التالي: أليس التمثل في عمقه صورة نمطية تستمد جزءًا كبيرًا منها من الآخرين، أي من التنشئة الاجتماعية بشكل وراثي، مما يجعله في العديد من الأحيان لا عقلانيًا ومبنيًا على الأهواء والانفعالات والأحكام الجاهزة، سواء السلبية منها أو الإيجابية؟

فالمرأة عمومًا، والعربية خصوصًا، عرفت تحولات بنيوية ملحوظة على مستوى الأدوار والتموقع الاجتماعي، فهي لم تعد ممنوعة من الخروج والتمدرس والعمل واختيار شريك الحياة، بل وتقلدت مناصب كان ضربًا من ضروب الخيال في الماضي القريب وصول النساء لها، من قبيل القاضية والقائدة (نموذج المغرب) والوزيرة، وأصبح تحرر المرأة في اللباس والكلام والاختلاط في الأماكن العمومية مظهرًا شبه مألوف في مجتمعنا. إلا أن الأدوار الحديثة للمرأة في سوق الشغل والتمثيلية الديمقراطية، وغيرها، لم تستطع القطع مع خطابات التراتبية والذمية التي ما فتئت تُردد في الحياة العامة، وتطفو على السطح، من خلال بعض ردود الأفعال الجماعية كأساليب العنف الجسدي أو العنف اللفظي تجاه المرأة اللامحتشمة بمعايير المجتمع، واعتبار نجاح المرأة مرتبطًا شرطًا ببناء الأسرة والإنجاب مهما بلغت أهمية الوظيفة المهنية، أو إنتاجاتها، ومساهماتها الفكرية والعلمية.

فالمرأة مؤخرًا أدركت ـ ولو بنسبة قليلة جدًا ـ أن الدور التقليدي الذي كانت تلعبه داخل المنزل ليس بالضرورة وضعًا يعبر عن طبيعة صحية، أو توازن اجتماعي بديهي، بل إنه ليس إلا حصيلة تمثلات سلبية وصور نمطية رسخت هذا الواقع، وحجمت لسنوات عديدة من دورها في المجتمعات التقليدية، وخصوصا العربية.. لكن ما تعاني منه المرأة الآن في مجتمعاتنا هو ذاك التمثل الصعب هدمه لدى بعض النساء اللواتي لا زلن يحملن صورًا حول أنفسهن، ويرين في بنات جنسها شاذات عن المجتمع الذي يعشن فيه، كما لا يخفى دور الإعلام بشتى أنواعه في تكوين تمثل للمرأة لدى الآخرين، فبعض الإعلانات تعمق شعور النساء والفتيات، إلى حد ما، بأنهن غير جذابات وغير مقبولات اجتماعيًا، يأتي بشكل رئيسي من التأثير السلبي للإعلانات التي تقدم صورة نمطية للمرأة النموذج، ذات المواصفات الجسدية والاختيارات المجتمعية التي تكرس الفروق الطبقية، والتفرقة العنصرية، وعدم مساواة الجنسين، وهو تمثل يحبس المرأة في جسدها .

إن أكثر ما يمكن أن يخلص المرأة من الظلم الذي تعاني منه هو تخلصها من تمثلها لنفسها، واقتناعها بقدرتها على التحرر من أوصاف العجز والتبعية والضعف، فالحرية في أعماق المرأة هي حرية مخيفة وريثة قرون من العبودية والقهر.

في النهاية، لا يسعنا إلا أن نؤكد على ضرورة توعية المرأة نفسها بنفسها، والكف عن النظر إلى نفسها كجسد فقط، بل باعتبارها كيانًا مستقلاً وإنسانًا فاعلاً داخل المجتمع بمحاذاة الرجل.

* تطوان ـ المغرب.

شاهد أيضاً

محمد فايد

جذور الشر .. محمد فايد

  ليس في ما يخرج من يد الخالق إلا الخير، ويفسد كل شيء بين أيدي …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية