المجتمع التراحمي والمجتمع التعاقدي في نظر عبد الوهاب المسيري

عبد الوهاب المسيري

من أبرز أطروحات الدكتور عبد الوهاب المسيري الفكرية ما طرحه حول “المجتمع التراحمي” و”المجتمع التعاقدي” وإسقاطه لهذه الأطروحة على حياته ابتداءً من نشأته في مصر إلى انتقاله إلى أمريكا لإكمال الدراسة.

يوضح “المسيري” أن المجتمع التراحمي باختصار هو المجتمع الذي تقوم علاقاته على التراحم والتعاطف بين أفراده، على النقيض من المجتمع التعاقدي الذي تقوم العلاقات فيه على أساس تعاقدي ومصلحي.

نستطيع أن نرى المجتمع التراحمي في المجتمعات التقليدية، حيث يذكر “المسيري” مثالاً على ذلك نظام مساعدة العريس “النقطة” في الأفراح المصرية، وهي دس المال في يد العروس (للمساعدة) بحيث لا يراه أحد وفي إطار هذه العملية التبادلية يتم توزيع الثروة بين المجتمع، فعطاء الأثرياء يكون عادة أكثر من عطاء الفقراء.

ويذكر مثالاً آخر، وهو علاقته مع عامله المصري حينما كان يدرس بالسعودية.. كان العامل ينظف منزله كل أسبوع ويصر على أن يقول عند لحظة تقاضي الأجر “بلاش يا بيه، خليها عليّ هذه المرة”، وهو في واقع الأمر ـ برأي المسيري ـ يقول “برغم أنني أعمل خادمًا عندك وأدخل معك في علاقة تعاقدية، فإننا من الناحية الإنسانية متساويان ولابد أن ندخل في علاقة تراحمية تتجاوز عمليات التبادل الاقتصادية (خدمات مقابل نقود). ولهذا فلا داعي لأن تدفع لي هذه المرة”.. ولذا يخبره “المسيري” ـ عمدًا ـ عن عدم وجود نقود وتأجيل دفع الأجرة للأسبوع التالي، لإعطاء العامل فرصة أن يكون دائنًا، لكي يتم تحقيق التساوي الإنساني التراحمي.

وحتى “فض غلاف الهدية” يمكن أن يوضح مفهوم “التراحم” و”التعاقد”.. ففي مصر، كما يقول المسيري، حينما يحصل الإنسان على هدية، فإنه لا يفضّ غلافها، فهي قيمة إنسانية بذاتها ولا يهم محتواها، لكن في أمريكا أشاروا له بضرورة فض غلاف الهدية وإظهار الإعجاب بها مباشرة أمام المُهدي، وهذا في نظر “المسيري” يجعل الهدية تتحول من قيمة إنسانية بذاتها إلى ثمن محدد (كم).. أي من إطار تراحمي إلى إطار تعاقدي.. ففي المجتمع التعاقدي ثمنها وكميتها وقدرها كلها عوامل مؤثرة في قيمة الهدية، عكس ما يحصل في المجتمع التراحمي حيث لا يوجد إلا القيمة الإنسانية للهدية كهدية. وليست كمحتوى وكمية وثمن.

* عبد الوهاب محمد المسيري (أكتوبر 1938 – 3 يوليو 2008) مفكر وعالم اجتماع مصري إسلامي.

شاهد أيضاً

يوسف إدريس

سورة البقرة.. يوسف إدريس

ما كادت الفاتحة تُقرأ ويسترد يده من يد الرجل، ومبروك! ويتأمل مليًـا البقرة التي حصل …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية