الله على مقهى عم صالح.. كارلوس أنيس

كارلوس أنيس

يجثم مقهى عم صالح أسفل شرفة الشقة التي يستأجرها صديق في منطقة بين السريات بالجيزة، الأصوات لا تنقطع رغم إحكام غلق الشباك بالزجاج العازل للصوت، ولكن لا سبيل لمنع تسلل الإزعاج إلى الداخل، وعندما يستبد الأرق؛ فمتابعة ما يدور على المقهى تسلية لها متعتها أكثر من قراءة رواية لـ”هيرمان هيسه”.

أن تتحرك لنقل خيوط حكاية بدأت بالصدفة أمامك أمر صعب، الرواية الواقعية شئ وأن تنقل موقفًا عابرًا شيئ مغاير، أن تحدد كيفية البداية هو نسج الخيال الكاذب غالبًا.

كيف بدأ النقاش بين هذه الشخصيات الخمسينية العمر، لا أعرف، لكن ما حرك الانتباه لهم عندما صاح أحدهم “إزاي الخمرة مش حرام والحجاب مش فرض.. جمال البنا ده شيخ ابن ستين كلب”.

يُدافع أحدهم عن وجهة نظره “اسمع يا غبي، انت هتفضل حمار لحد إمتى”.. ولكن الآخر غاضب لا يسمع، بل يمسك بالشيشة التي ينفخ دخانها في وجه الكون ويحملها كأنها طفل صغير إلى مكان بعيد صائحًا: “ياعم انا عايز افضل حمار.. ربنا فوق في السما زي ما انا شايف خلقتك الغبية ديه قدامي ، استغفر الله.. استغفر الله”.

يرد المحاور “أانا أقرب إلى الله منك، أنا أحبه أما أنت فتطيعه، أنا أشرب الخمر أما أنت فتشرب الكره، محدش عارف الجنة بتاعة مين في الآخر والخمرة مش حرام اهه”.

الإشتباك مع حوار ديني على المقاهي المصرية ظاهرة جلية، ومتعة ـ الزهد فيها أمتع.

الحوار لم يظل أسير الشخصين ولا حكرًا عليهما، بل أتى صاحب عربة الكبدة ليدلو بما لديه، وترك صاحب كشك السجائر تجارته المشروعة وغير المشروعة وأتى أيضًا، أما الجالسون على المقهى فاجتمعوا إلى الشخصين، والضحكات تتطاير، وتحول المكان إلى ملتقى للمفسرين والفقهاء واللاهوتيين والفلاسفة، مع كثير من الزعيق والشد، الخمرة والحجاب والعلاقات الجنسية والحشيش ومواضيع لا تخلو منها قائمة النزاع الديني في المجتمع الشرقي، من انتصر في النهاية لا يهم، فالله كان حاضرًا في المقهى.

***

العيون تحمل بداخلها الحقائق، لا أعرف كيف، ولكن أجتهد للهروب من تلك الحقائق.. عندما لا تتفق مع ما تنطق به الشفاه، صراع يبتلعني مع دقات الليل الأولى، أيهما أصدق: ما يقوله القلب أم ما يتحرك أمامي في هذا الكون.

إذا سلمنا القلب دفة القيادة فإننا نسير كما المؤمنين في هذه الحياة، لا ندرك أي شيء سوى حقيقة تسلمناها من الأولين والأجداد، وإن جعلنا العلم هو من يقود فإننا سنتحول إلى آلات غربية، إحساسها معجون بالزيوت والوقود، نازعين عنا رداء الشرق الروحي.

يقول بولس الرسول “لو كان لي كل العلم وليس لي محبة فلا أنتفع شيئًا”، دون أن يضع تفسيرات للمحبة أو ماهيتها تاركًا المجال للأولين لوضع تفسيراتهم الروحية، وكما يقول المثل “اللي سبق أكل النبق والتاني ارتعش”.

هل نحن ندرك المحبة، أم ما أخبرونا أنه المحبة!

هل نحن ندرك الإله، أم تفسيرات الأولين والذات عن الإله!

***

جوان الحشيش يتحرك بسلاسة بين رفقة أربعينية اجتعموا للعب عشرة كومي، لم يعنِهم من الحوار الدائر في الشارع، الذي ارتصت على جنباته كراسي المقاهي، سوى الطريقة التي يحمل بها الرجل الشيشة غاضبًا، يأخذ نفسًا، تعلو كركرة الشيشة، ينفخ دخانها في الهواء، ثم يسب الدين لمحاوره ويستغفر الله!

يركض بين الكراسي بشيشته، لا يعرف على أي من الكراسي يجلس، هو غالبًا لم يرغب بالجلوس، ولكن حركته تعبير عن رفضه واستنفاره من الكلام.. شعوذة، يتحرك في شعوذة كأنه ملبوس.

يجلس محاوره لا يتحرك.. ينظر إلى الأرض ويقول بصوت غير مسموع ولكن يمكن تمييز الكلمات من حركة الشفاه: “غبي.. هوّ غبي”.. وأتى الصوت من أحد الجالسين في قعدة الحشيش والأنس قائلاً:

“ربنا موجود ياعم.. ده حلو.. على الحرام من ديني حلو ومزاجه عالي قوي”.

الصمت ولا شئ، المحشش هل كان يقصد الحشيش؟! ليترك الله في مهب المفسرين المجانين على مقهى عم صالح.

شاهد أيضاً

ناصر قواسمي

وأرى ما أرى/ ما لا ترون .. ناصر قواسمي

  وأرى ما أرى.. ما لا ترون أسمعُ الماءَ إذ ينادي الغيبَ في سكون وأخافُ …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية