اللعبة .. نادية شكري

نادية شكري

 

أراح السلة المصنوعة من جدائل الخوص بجواره، أخذ ينفث من سيجارته متلصصًا عليها.

منذ الصباح الباكر وهي تتجلى، تمسك ريشتها وقد أبعدت عن رأسها المتاعب ومسحت عن نفسها كل أثر لشجون أو معاناة، ألقى هو بفم السيجارة في الماء، أشعل واحدة أخرى، جلس القرفصاء واستند إلى بعض الصخور.

غمست هي الريشات في قوارير الألوان؛ فأبدعت في نقش البحر وزانته بالزبد الأبيض الشاهي وأركبته ظهور الموجات.

أخرج هو سن الشص من السلة وأخذ يعجن شيئًا بيديه.. سكبت هي كل ما لديها من درجات الأخضر والأزرق فبرقشت صفحة الماء، فرشت عليه نور النهار فتلألأ بدرجات التركوازي في ليونة متبخترًا في مساحات تشكيلية أخاذة.

مد بصره يستكشف البعيد، البحر أمامه يمتد بشرائط عريضة من اللون الغامق تتلوها شرائط أفتح فأغمق.

الرمال البيضاء لا حجم لها، تسكن فوق الأرض، تستجيب لحرارة الشمس تستقبلها، ترتشف أشعتها في استعذاب يغزو شهود العيان حولها فيرفعون راية الاستسلام ويخلعون ملابسهم.

غمس الطرف المدبب ببعض من لباب الخبز الذي كان يكوره في كفه شاردًا ينظر للسماء، يحس بنفحات متوجهة إليها، تلملم السحابات الشاردة فتسطع بلون البحر، والبحر بلون السماء فيتزين سقف اللوحة.

الشمندورات على البعد تصطف تصنع حدودًا.

فرغت هي من سكب ألوانها، لمحها تنسل مكدودة لتغوص في البحر، تضاجعه، تكبل خيوط المد والجزر فتكتب لاسمها الخلود.

وقف كمن خرج لتوه من عراك، خطا خطوتين حذرتين فوق الصخرة القطيفية اللزجة التي صبغها العشب بلونه، احتضنها هو بباطن قدميه اللتين فلطحهما طول السير على الشواطئ حافيًا.. ثبت قدميه، رمى الشص بطول ساعده الأيمن ليغرق الطرف المدبب وجزء من الخيط في جوف الماء، اعتدل في وقفته وأسند ظهره إلي يسراه كمن يشكو ألمًا في جانبه، ظل واقفًا كتمثال، لكن الخيط هبط حيث تهجع هي، نظرت إلى الخيط في شرود، تركته يداعب أهدابها قليلاً ثم نفثت في الخيط فذاب الطُعم واهتزت الصخور القطيفية اللزجة فتراقص الرجل في وقفته، سحب الشص خاليًا، غمس في مقدمته طعماً آخر أكبر حجمًا، ألقى به دون أن ينال منه الضجر.

نظرت هي إلى أعلى في بطء ثم أومأت لسمكة فضية صغيرة كانت تغفو في حناياها في استرخاء، جاءتها السمكة، أمسكت هي بالشص غمزت خيشومها به، أحس الرجل بذبذبات أجرت الدم في عروقه، سرت النشوة في جسده، وبحرفية ماهرة، استجمع كل خبرات الصيد بين راحتيه وجذب البوصة بشدة، طارت السمكة الفضية الصغيرة المعلقة بالخيط عاليًا وارتمت خلفه فوق الصخور تحاول الفكاك.

مال الرجل بجسده كله ناحيتها؛ فانزلقت قدمه المفلطحة فوق الصخرة القطيفية اللزجة التي أكسبتها الأعشاب البحرية لونها الأخضر.

شاهد أيضاً

شريف عابدين

بأقل قدر من وهج  .. شريف عابدين

  تألقي.. بأقل قدر من وهج يتأجج في هدوئه المعتق منذ استرسال كاليستو كقمر رابع …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية