اللص .. عمرو جودة

عمرو جودة

 

كنت تشعر به دائمًا، ربما منذ أن ولِدت، كانت أنفاسه وارتجافاته تتجلى في كل شيء حولك.. لكنك لم تره أو تلمس أي دليل على وجوده سوى إحساس عميق بأنه حقيقي أكثر منك، حتى أعلن عن وجوده ذات يوم، وجهٌ لا يمكنك أن تُحدد ملامحه أو كنيته، لكنك تشعر بخنجره المستعر منغرسًا بين ضلوعك، في مركز قلبك تحديدًا، ترتعش.. تطلق آهة تتردد أصداؤها في جوف عمقه الزمان كله، يضيع وعيك بين طواحين الألم، تدور بسرعة هائلة حتى تلتهم كل أشعة ضوء الحياة من حولك، وتضرب عواصفها شراع قارب الموت لتقذفه بعيدًا عنك في آخر بقعة في الكون، فيتحول الألم إلى إله هائم في فضاء بلا كواكب أو نجوم أو مجرات.

تعلم أنه لم يأتِ لك ومعه هدية، ربما يريد قتلك، عندما تتذكر الموت ـ ذلك الذي حسبته الحقيقة الوحيدة في هذه الحياة ـ يتضاءل أمام سرمدية زائرك، تستعين بالأحباب طلبًا لمساعدتهم، تحاول أن تقنعهم بوجوده كشخصية من ألف ليلة، تريد أن تقنع العالم بأنها ترى وتحادث جنيًا لا يمكنهم أن يروه أو يسمعوه.. وفجأة ينسل خنجره من بين ضلوعك بتدريج بطىء ويفر بجبن، خوفًا من أن يكشفه أحبابك.

وعندما زارك للمرة الثانية كنت وحدك أيضًا، قررت أن تواجهه، لن تصدر منك هذه المرة آهة يتردد صداها في أعماق الزمن، تعرف أنه يخشى أحبابك فما عليك إلا أن تستدعيهم.. لكنك في الزيارة الثالثة تنهار، تظهر لأول مرة ملامحه بوضوح صارم، له عينان كأنهما ثقبان أسودان خَلقا ليلتهما النجوم العملاقة في الفضاء السحيق، يغرس نصله أعمق هذه مرة، تشعر بسعيره القادم من الجحيم، تنطلق آهاتك غير مكترث بشيء سوى أن تطلقها، وأن تحرص على ألا تنظر في عينيه.

من أول وهلة يدرك أحباؤك جسامة ما فعله بك، لم يهرب هذه المرة، واستمر يغرس خنجره أعمق ثم أعمق، تنظر إليه، تراه لامعًا يخفي مقبضه في السحاب ممتدًا حتى ينغرس نصله في أعماق قلبك بلا نهاية، يهرع الأحباء لطب المساعدة، لكن الطريق طال أكثر مما كان، الألم يحجب وجوه الأحباب، تصبح وحيدًا بين براثنه.. وفجأة، يتغير العالم، يتجمد الزمن، يختفي الألم، يتوقف ارتجاف قلبك، ينتهي هلعك وذعرك ورعبك، من أين أتتك هذه السكينة؟ متى كنت شجاعًا هكذا؟! نظرت إلى عينيه لأول مرة بثقة وجسارة، تكتشف حقيقته، كان «محض لص»، بُهتَ وذُعر من وخزات بصرك، أدركت أنه من كان يخشى النظر لعينيك المطمئنتين.. ارتبك وكان لا يعرف ماذا يفعل أمامك، ثم فر هاربًا، تاركًا خلفه خنجره ينسل منك ببطء شديد ليعود الألم من جديد، تشعر به دون أن تتألم منه، تغلق عينيك متمنيًا ألا تفتحهما أبدًا، لكن سكينتك لا تفارقك رغم إيمانك العميق بأنك ستفتحهما بعد لحظات .

شاهد أيضاً

ديمة محمود

هذا الطائر .. ديمة محمود

  رَفّ رفتين أو ثلاثًا قَطفةٌ لِعنقودين ثمّ حطَّ رِمشٌ ينضجُ زهرةَ ماء تتدحرجُ ضحكةٌ …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية