الكل خيالات وهو الحقيقة .. وائل خورشيد

وائل خورشيد

 

أتعرف يا لوسيفر، تلك اللحظة حينما يكون أحدهم داخل ستاد كرة قدم يسع 100 ألف شخص، والجميع يصرخ بصوتٍ عالٍ، لا أحد يرى الآخر، رغم أنّ جميعهم مكشوفون أمام بعضهم البعض.

داخل هذا الملعب يقف أفراد أمن وعمال ومصورون، وبالمنتصف يقف أحدهم وحيدًا، بينما أنوار الملعب خافتة، وهو ممسك بالميكروفون في يده، والأنوار الساطعة التي تخرج من عدسات التصوير تلاحقه، بينما هو ينظر للجميع، يبتسم تارة، ويقبض ملامحه تارة أخرى، ويرفع يده ليشير في اتجاه ما فيصرخ الحضور بصوتٍ أعلى، بينما هو لا يسمع أحدهم ولا يرى، الجميع مجرد خيالات تهتز، ثم يهمهم في الميكروفون (بلا بلا بلا)، فتبدأ أصوات الحشد في الخفوت.

هو مسيطر هنا، يشعر أنَّه على رأس الجميع، حتى لو قام أحدهم وسط هذا الجمع الغفير، بينما الأصوات هادئة وصاح بصوتٍ مسموع ليقول شيئًا، هو لا يراه، يبدو له كخيال على ضوء شمعة لفحها الهواء فتحركت بشكل عشوائي ثم خفتت.

هذا هو شعور الديكتاتور يا لوسي، هذا تحديدًا ما يراه، خيالات، الجميع هوامش على يسار الصفر، هو فقط من يقف باليمين، هو بداية الأصوات التي تعد، وهو كل الأرقام التي تأتي بعده.

أنت هنا تلعب دورك، أعرف ذلك، تجعله يظن أنه ملك العالم وعلى رأسه، رغم أنَّه إنسان فانٍ، لا يملك من أمره الكثير، سيموت، ويتوارى تحت الثرى، ثم يصير عدمًا.

أتخيل نفسي مكانه ـ ولا أتمنى ـ الأمر فعلًا صعب للغاية، كيف يمكن أن يترك الدنيوي هذا كل تلك العظمة ببساطة، من أجل شعارات ترددها الخيالات! الأمر يحتاج لشخص قوي، قوي حقًا، لا تغرّنه نفسه، وأنت، ليدرك حقيقته المنتهية حتمًا.

* من حكايات «نفسي ولوسيفر».

شاهد أيضاً

سيومي خليل

عن كرة القدم بين الشمس والظل .. سيومي خليل

  كتب الكاتب الأورغواني غاليانو كتابا جميلا عن كرة القدم اسمه «كرة القدم بين الشمس …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية