الكتابة الزجلية وسؤال المعنى عند محمد لمسيح .. حسن شويري

محمد لمسيح أبو سارة

ديوان «بوكو كلام» نموذجًا

تعد الكتابة الزجلية نافذة من نوافذ النظر إلى نثرات الواقع وتشظيه، فهي جسر لفلسفة المعنى في زجلية محمد لمسيح أبو سارة، فمن خلالها، وعبرها، يفتح قلبه للعالم، باعثًا إليه شذرات ماء، في كلمات، منبعها، «إنسان» يسكن، لمسيح ووجهتها «إنسان» مل البوكو الكلام، ويطمح في عيش إنساني، قريبًا من الماء والنور، وبعيدًا عن النضوب الفكري اللا إنساني والظلام الدامس .

من هذا المنطلق؛ نسعى إلى الكشف عن الأبعاد الإنسانية للكتابة الزجلية، من خلال ديوان «بوكو كلام» للزجال المغربي محمد لمسيح أبو سارة .

هذا الديوان الذي يضم أربعة عشر قصيدة تمثل بداية تجربة شعرية ثانية في حياة الشاعر «بعد انقطاعه عن كتابة الزجل لفترة دامت حوالي 12 سنة» 1

ولهذا يحق لنا التساؤل :

ـ ما هي خصوصية الكتابة في التجربة الزجلية الثانية للشاعر؟

ـ وأين تكمن صوفية/ إنسانية معانيها من خلال هذا الديوان الذي وسمه باسم قصيدته الأولى «بوكو كلام» التي ستكون مطية لسبر العوالم الإبداعية للقصيدة اللمسيحية؟

 

.قراءة العنوان

إن قراءة العنوان تعد مدخلاً أساسيًا للولوج إلى عالم النص، وتشعباته. إذ تعد تعاقدًا بين الكاتب والمتلقي، حول ماهية الرسالة الثاوية في النص، كما يفتح العنوان أمام المتلقي أبوابًا وشرفات، متعددة للتأويل والتنبؤ بما هو آت.

وقد اختار الشاعر لديوانه/ قصيدته عنوان «بوكو كلام»، هذا العنوان الذي يعتبر اسمًا على مسمى، نظرًا لحمولته الدلالية والتركيبية العميقتين والملغزتين  .

وقد جاء العنوان عبارة عن تركيب إضافي: مضاف «بوكو» ومضاف إليه (مسكن الآخر) «كلام»، مضفيًا بذلك طابعًا تركيبيًا خاصًا على بنية الجملة، إذ من المفترض أن يأتي المضاف إليه «كلام» منونًا بكسرتين على آخره. لكن الشاعر فضل تسكينه لكي ينسجم مع خصائص التركيب اللغوي للعربية المغربية التي تسكن آخر الأسماء (مثل كلام).

أما على المستوى الدلالي، فنلمس حضور تعدد لغوي في العنوان. فكلمة «بوكو» Beuacuop الفرنسية تعني «كثير» باللسان العربي، ولفظة «كلام» جمع كلمة (بتكسير الكاف) والمقصود بها: الألفاظ التي تؤدي معنى عندما تتآلف فيما بينها .

وبدمج  الكلمتين معًا نحصل على: Beuacoup des parles الكلام الكثير .

لكن السؤال الأساسي الذي ينبغي طرحه في هذا السياق: عن أي كلام يتحدث الشاعر؟

تتيح لنا إعادة قراءة العنوان ـ بالطريقة التي ينشد بها الزجالون القصيد ـ تأويلاً أساسيًا نرى فيه أكثر اقترابًا من مقصدية الشاعر. فمد «واو» بوكو و«ألف» كلام؛ يدفعنا إلى القول: إن الكلام الذي يقصده لمسيح وسيدحضه هو الكلام الثرثري الذي لا ينتج معنى إبداعيًا كونيًا، أي أنه كلام لا يعبر عن حاجات الذوات الإنسانية الروحية والنفسية والأنطلوجية إلخ .

فإلى أي حد يصح هذا الافتراض؟

 

 ماهية الـ «بوكو كلام» والكتابة الزجلية عند الشاعر؟

البوكو كلام في تصور الشاعر هو تزويق للأحلام، وتحريم للوشام ومحي للكلمة الواعية. يقول الشاعر :

«محيتو الكلمة

حرمتو الوشام

زوقتو الحلمة

بـ بوكو كلام» 2

يتضح من الأسطر السابقة أن الشاعر يرغب في السمو والارتقاء بالعالم  عن طريق الكلمة، وعدم تزييف الأحلام والواقع، فلا يعقل أن يعيش الإنسان  في الظلام الدامس ويعامل معاملة اللاإنسان يقول :

حسبتونا بهمة

ودرتو كاتريام

ياعشاق الظلمة

والضرب تحت الحزام

تربج لمجاج

طلع الدم

الزهر عواج

تعبر هذه الشذرات الزجلية عن القلق  الإنساني الذي ينتاب لمسيح والهم الذي يحمله على عاتقه ويشغله، فهو يمني النفس بأفق فكري غير أعوج، يعتبره السبيل الوحيد لحصد «المعنى» لا العجاج .

يقول:

ياربي سكم

علات لمواج

البحر ظلم

حصدنا لعجاج

ودرسنا الهم 5

رغم كل هذا الغضب الذي يسيله الشاعر إلا أنه ما زال متفائلاً بغدٍ أفضل.. غدٍ تكون الكلمة أسه (بضم السين والهاء) وجوهره لا أشياء خارج عنها  يقول:

مازال ما فات الفوت

مازال أنا أو ياك خوت (الكلمة)

أنت تبركم

وأنا نفهم

ما طاحت فـ كلبنا ثلجة

ولا مات لينا حوت

صابرين

ولو السكين ف العظم 6

بهذا المعنى، يكون أبو سارة  قد أرسى لماهية الكتابة الزجلية التي ينبغي أن تكون متمأسسة على الكلمة الإنسانية الصادقة، والحرف النبيل المتطلع لمستقبل مشرق، وما عدا ذلك فليس بكتابة. يقول أبو سارة :

را لوتار المحير فـ دربوكم

راغولو مات

ها العار

سلفونا وجوهكم

ندوزو بيهم شي يامات 7

إن الكتابة عند لمسيح لا ترتبط بمن صقل (بضم الصاد) لسانه لخدمة أغراض لا إبداعية، ولا ممن يرغب بتعلم «التزحلق» فوق رأس الحواف الخطرة، فالكتابة فانتازيا وركوب على الخيل المغوارة لا الحمير المسرجة يقول :

بغاو يكادو لساننا

بـ مبرد

وفـ راس العكبة

يعلمونا الزليكة

علاش لا

وحمير الخوت كتبورد

وخيل رفاكنا

ضارباها بـ تبويقة (….) 8

إن إنهاء الشاعر قصيدتة بأربعة نقط يمكن تأويله بتأويلين :

أولاهما: يرتبط بذات الشاعر التي مازالت في نفسها كلام كثير (بوكو كلام) ترغب في الإعراب عنه، وهو كلام لصيق بالواقع والزمن الحديث ـ بالمفهوم الباخثيني ـ والعالم .

وثانيهما: يرتبط بالثرثرة الجوفاء(بوكو كلام) التي ينبغي أن يبتعد عنها الإبداع بصفة عامة والكتابة الزجلية بخاصة .

تتسم القصيدة الزجلية عند الشاعر المغربي محمد لمسيح، أبوسارة، بنفحات صوفية سامية، تسعى إلى الارتقاء بالإنسان إلى أفق فكري وإنساني راق، فالقصيدة عند أبو سارة «مدينة فاضلة»، لا تشوبها الفوضوية بل هي زجلية صرفة مصدرها لمسيح الإنسان، وهدفها السمو بالإنسان الذي يتفاعل معه في بعده السيكولوجي والاجتماعي والوجودي. فهي غاية ليست وسيلة بالمعنى المثالي الكانطي.. فحين نقرأ القصيدة اللمسيحية نشعر بأنها تمثل نثرات إنسانيتنا في نسق زجلي إبداعي يتخذ من العربية المغربية ثروة  لاستيقاء شذرياته ودرره، والزجل فسيفساء لتنسيقها .

بوكو كلام

8.7.6.5.4.3.2.1، لمسيح محمد أبو سارة، بوكو كلام، ص11.10.9.8.7.6.5.4.3.

*لسان العرب مادة «كلم».

* dictionare francais arabe:”beuacoup”.

شاهد أيضاً

خلود البدري

الواقعية السحرية في مجموعة «عصا الجنون» .. خلود البدري

  عن دار «ميزوبوتاميا» للطباعة والنشر والتوزيع، صدرت المجموعة القصصية «عصا الجنون» للروائي والقاص أحمد …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية