القصبجي .. غاوي ونقّط بألحانه.. مصطفى الجارحي

محمد القصبجي

حين كانت تقول لي “إزيّك يا قصب” يجتاحني شلال من العرق.. ألتقط من جيبي العلوي منديلاً أداري به ربما حمرة الخجل، لكنني وسط هذا الارتباك الواضح أفشل، كعادتي، في إخفاء فرحتي الطفولية.. فالست، التي هي أم كلثوم بجلالة قدرها، سلمت عليْ بطريقة لا تخلو من خصوصية.. هي لم تقل لي “يا محمد افندي” أو حتى “يا قصبجي بك”، وإنما “يا قصب” إمعانًا في الدلع، ورفع الكُلفة”.

قبل ساعة واحدة كان في بيته يتجهز للقائها.. ليس لقاءً خاصًا على نحو ما يدور في ذهنك.. لكنه لقاء معتاد يضم كل أعضاء الفرقة الموسيقية.. ربما بالغ كثيرًا في ضبط هندامه.. مرّر أصابعه أكثر من مرة على كرافتته ليطمئن على وجودها في مكانها الصحيح.. رش نفسه بكولونيا الشبراويشي ذات الثلاث خمسات، ومر بالفرشاة على حذائه ليبدو لامعًا، ونظر في المرآة أكثر من مرة.

هو فقط يريد أن يبدو لائقًا أمامها.. ولم لا؟ أليس هو الأستاذ.. الموسيقي.. العظيم.. أليس هو من صعد بها إلى قمة شهرتها ونجوميتها حتى تكوكبت بألحانه وموسيقاه المتجددة.. أو على الأقل هو واحد ممن ساعدوها على الوصول.. ثم ألم يضعه الناس في زمرة عاشقي الست جنبًا إلى جنب شاعرها المفضل أحمد رامي العاشق الكتوم، وأحمد صبري النجريدي الذي ترك عيادة الأسنان وانشغل بالتلحين لها وأحبها، وتقدم لخطبتها فعلاً فأحالته إلى أبيها ليتم رفضه، ومن ثم يشعر بإهانة فانسحب من حياتها للأبد.. هكذا شكر في سرِّه الشيخ إبراهيم السيد البلتاجي، والد حبيبته، لأنه رفض النجريدي.. لكأني أسمعه يقول مبتسمًا “عفارم عليك يا شيخ إبراهيم”.

ثم ها هو الحظ يسانده مرة أخرى، ويرفض الملك فاروق شخصيًا زواجها من شريف باشا صبري.. وظلت الأقدار تحافظ له عليها حتى من محمود الشريف وكان قاب قوسين أو أدنى من قطفها.

لكن يأتي عام الثورة كارثيًا على القصبجي.. في عام 1952 طارت الست من بين يديه وتزوجت طبيبها الخاص حسن الحفناوي.. ولم يشفع له أنه قدم لها 69 لحنًا واحتل المرتبة الثانية بعد رياض السنباطي في عدد الألحان!

هكذا جلس واحد من أعظم موسيقيي العصر على كرسي خلف كوكب الشرق.. وربما من باب الحياء ظل الكرسي شاغرًا بعد رحيله طيلة أربع سنوات، كأنما أرادت أن تعتذر له عن ولعه بها، لولا أن مقدمة أغنية “اسأل روحك” كانت بحاجة إلى عود فجلس عازف آخر على كرسي القصبجي.

ولكن عذرًا.. ماذا كان بمقدور الست أن تقدمه لكل هؤلاء العشاق وبخاصة القصبجي المتيم! هل تصده وتقول له “نجوم السما أقرب لك من حبي”، أم تقول له “أنظر يا قصب.. كل هؤلاء يحبونني لدرجة العشق والتقديس”.

هل سألت نفسك: كيف كان يفكر محمد القصبجي وهو يلحن “رق الحبيب”.. هل تخيلته وهو يدرب الست على هذا اللحن العبقري الفارق في جماله وروعته.. لكأني أراه وهو يحاول أن يضبط منهجها الارتجالي حتى لا تخرج الست عن السياق، وتظل متماهية في الانضباط اللحني.. أي عناء!

لقد حاول أكثر من موسيقار أن يضبط شطحات الست، وقرروا ضمنًا أن السبيل الوحيد لذلك هو بناء اللحن بشكل منضبط إيقاعيًا “ريتميك”، ولا مانع من وقت لآخر أن يتركوا لها فسحةً تمارس فيها الغناء خارج النسق.

إن موقفًا عصيبًا مر به القصبجي ربما أكبر من صدمة “اللي حب ولا طالشي”، حين سخرت أم كلثوم من أحد ألحانه وقالت له “انت محتاج راحة طويلة”.. وبرغم ذلك لم ينتحر الرجل، ولا هو انسحب في هدوء المنكسر أو صخب المجروح.. ومن جانبها أبقت عليه مقيدًا في كرسيه.. هي تعرف بالتأكيد، وأكثر من غيرها، ما يمكن أن يقدمه القصبجي للأخريات.. وليلى مراد ليست بعيدة بأغنيتها “أنا قلبي دليلي”… ثم هناك أسمهان بـ” يا طيور، أنا اللي أستاهل، إمتى هتعرف، اسقنيها، ليت للبرّاق”.. وهناك أيضًا سعاد محمد ونجاة على وفتحية أحمد ومنيرة المهدية ونور الهدى و…

وإذا كان أحمد رامي احتفظ طيلة ثلاثين عامًا بخاتم أهدته له الست، لم يخلعه أبدًا من إصبعه، لكنه على أية حال تزوج وأنجب وعاش حياة بدت مستقرة، وحوَّل عشقه المكتوم إلى قاعدة يطلق منها صواريخ إبداعاته الشعرية والغنائية.. لكن القصبجي لا أجد له شبيهًا في حالته تلك.. والحقيقة أن المعلومات الخاصة به كشخص عادي شحيحة إلى درجة الندرة، بل إلى درجة تدعو للتعجب والتساؤل عما إذا كانت الأقلام الصحفية، وقتها، وما أروعها، تغافلت في تعمد واضح عدم الكتابة عنه.. وكأن القصبجي مجرد عابر في الحياة الموسيقية.. أو عابر في حياة أم كلثوم.

حتى الآن، مثلاً، لا أتخيل أن شخصًا عاشقًا في رقة القصبجي يحمل مسدسًا ويقتحم منزل أم كلثوم محاولاً قتلها وقتل خطيبها الموسيقار محمود الشريف.. تقول الواقعة، إذا صحّت، إن العاشق أراد أن يصرخ علانية بحبّه.. أن يحمي فتاته حتى من خطيبها.. وبشكل دراماتيكي انتهى بطبيعة الحال بمجرد نظرة من الست، قل إذا شئت نظرتين غاضبتين من عينيها فأسقط المسدس من يده!

شاهد أيضاً

محمد فايد

جذور الشر .. محمد فايد

  ليس في ما يخرج من يد الخالق إلا الخير، ويفسد كل شيء بين أيدي …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية