الفردوس الأوروبي .. عبد المالك أجريري

عبد المالك أجريري

 

ينفث ولد العربي دخان آخر سجارة وهو يردد: «اللهم البحر أو ماجو ولا بر المغرب وخماجو…».. ولد العربي، أو بالأحرى علال شاب مغربي أشرف على الثلاثينيات، دائرة الفقر تدور حوله وحول عائلته منذ سنوات ولت.

بدأ علال يفكر بوسيلة تنقذه وتنقذ عائلته التي تآكلت من شدة الفقر. كان علال يقطن بدوار «شتوكة» الذي يقع قرب مدينة أزمور، التي تعرف هي الأخرى ركودًا اقتصاديًا.. مما جعل علال يتبع خطوات أبيه العربي الفلاح الذي بالكاد يوفر القوت  لعائلته.

علال لم تسعفه تلك الدراهم المعدودة التي يحصل عليها من النشاط الفلاحي. فبدأ ناقوص الهجرة السرية يدق في مفكرته  خصوصًا عندما نجح ابن جاره أحمد في الوصول إلى إيطاليا، التقى علال بسبعة شبان من نفس الدوار يفكرون بالهجرة قصد تحسين وضعهم المعيش، مما زاد تكريس الفكرة في ذهنه، وأضحى الفردوس الأوروبي بين عينيه، ولا محال  غير ذلك.

ذهب بسرعة عند أبيه العربي، ليخبره أنه سيهاجر إلى أوروبا، لم يكن يهمه اسم المدينة، المهم بالنسبة له هو أوروبا ولا شيء غير ذلك.

العربي: الغربة راه واعرة أولدي بقى غير في بلادك…

علال ضحك حتى ظهر نابه الأخير: بلادي شنو عطاتني ثلاثين عام هادي أو أش عطاتك أنت قبل مني.

وضع العربي يده على خده وهو بين بين، لا يعرف ماذا يقول لابنه، لكنه مقتنع لا محال لأن الواقع يتحدث عن نفسه.

باع العربي كل الأبقار التي يملكها طمعًا في مساعدة ابنه بغية الهجرة، ونجح علال في جمع مبلغ مالي هو الآخر من عمله في الفلاحة، حتى جاء يوم المغادرة.

لم يكن الفراق سهلاً.. دموع، حصرة، كآبة…

لكن الفقر كان أقوى من كل العوامل السيكولوجية، اتجه نحو البحر وشعار واحد يردده في ذهنه؛ أوروبا قادم إليك.

بات جنب البحر أربعة أيام دون مبالاة لشدة الرياح بالليل. حتى ظهر مركب الحلم الذي أضحى حقيقة في ذهن علال.

الرايس: يلاه أدراري طلعو معندناش الوقت لنضيعوع، وعندما يتأخر شخص ما في الصعود، يتلفظ الرايس بكلام نابي…

علال صعد واتجه المركب نحو الفردوس الأوروبي بالنسبة لعلال ولكل من صعد.

بدأت أمواج البحر تلاوح في المركب كما تشتهي لا كما يشتهي الرايس وعلال، لم تعد أضواء ترى لعلال سوى أمواج عاتية وأفواه القرش الذي تزقزق معدته.

امتلأ المركب بالماء وأعطى الرايس أوامر بإفراغه في الحال، لم ينتهوا بعد حتى بادرتهم موجة ثانية، لذا كان لزامًا أن يضحي الرايس بشخص أو بشخصين لكي يستمر المركب في الإبحار. فألقى بالأول ثم الثاني أمام أعين علال ومن معه.. شاهد علال الموت وشاهد الجنة والنار، لكن فيما سيفيده ذلك الآن.

لم يكن أمام علال وقت حتى لنطق الشهادة، نظرًا لمحاولتهم إفراغ المركب.

صاح الجميع في وجه الرايس: «رجعنا صافي مبقينا باغين والو»

الرايس: وش كحساب ليكم دخول لبحر بحال خروجو كونو رجالة.

فعلاً، كانوا رجالاً وواصلوا الإبحار مع الرايس لمدة أربعة أيام داخل البحر، وعندما خرجوا وجدوا أنفسهم على ضفة شاطيء «مريزيقة» بالمغرب.

ضاع الحلم الأوروبي لعلال ومن معه، لكن ظل الفقر ثابتًا على محياهم فهو الشيء الوحيد الذي لم يضع.

* المغرب.

شاهد أيضاً

ديمة محمود

هذا الطائر .. ديمة محمود

  رَفّ رفتين أو ثلاثًا قَطفةٌ لِعنقودين ثمّ حطَّ رِمشٌ ينضجُ زهرةَ ماء تتدحرجُ ضحكةٌ …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية