العنكبوت الأبيض .. محمد عامر مارديني

محمد عامر مارديني

 

نادى المنادي: اجتماع.. اجتماع

صمتَ الجمعُ منصتينَ ينظرون إلى بعضهم بعضًا، في محاولةٍ لتعقُّبِ مصدرِ النداءِ الآتي، ثمّ ما لبثوا أن بدؤوا يتهامسونَ ويهمهمونَ عن السّببٍ الكامنِ وراءَ أمر الاجتماعِ ذاك .

ما هيَ إلا لحظاتٌ، وكان الجميعُ محتشدينَ في القاعة الكبيرةِ مترقّبينَ أحدًا ما يدخلُ ليخبرهَم بأيِّ جديد .

فاجأ العنكبوتُ الأبيضُ الموجودين بوصوله إلى القاعةِ واعتلائِه المنبرَ بكلِّ خُيلاء !

انقبضت النفوسُ لرؤياهُ، فقد كان معروفًا أن لا وراءَ ذلك العنكبوتِ إلا النبأُ السيّءُ كما غرابُ البين لا يأتي إلّا بالشؤم !

قال العنكبوتُ متشدّقًا: أخمّنُ أنّكم تنتظرون مني خبرًا ما كما يبدو لي من النظر إلى وجوهِكم، ولكنّي اليوم جئتٌكم لغرض التسليةِ وحسب

شٌدِهَ الحاضرون وتمتموا بأصواتٍ خفيضة بكلماتٍ غير مفهومةٍ، فاستدركَ العنكبوتُ موضّحًا:

إني اليومَ جمعتُكم لمبارزةٍ سلميّة، أجل لا تستغربوا، إنه يومُ سوقِ عكاظٍ أدبيٍّ شعريٍّ عصريٍّ على طريقتي، فهل من متحدٍّ يواجهني في مناظرة في أبيات الشعرِ العربيّ قديمِه وحديثهِ؟

أجابَ أحدُ المرافقين مجاملاً :

ومن أين لهؤلاءِ أن يتحدَّوا بحرًا ممتلئًا خزائنَ من لؤلؤِ ومَرجانِ الشعرِ والنثر يا جناب العنكبوت؟

قال العنكبوت: لا.. لا عليك، لابدّ أن يتواجدَ المتحدّي الذي سيقارعني، فأنا أعرف أن في الصالة هنا الكثيرَ ممّن يحفظون الشعرَ، ولابدّ اليومَ أن يكشفوا عن مواهبهم الدفينةِ بمبارزتي .

هتف الجميعُ وقد بدا الامتعاضُ على بعضهم :

نحن لها، تفضّل أتحِفنا بما عندكَ حضرةَ العنكبوت الموقَّر .

علا صوت العنكبوت بنبرةِ الواثقِ المختالِ بنفسه :

إذاً، فلنبدأِ المبارزةَ الشائقةَ، هيّا ارموا إليّ بما حفظتم، مدحًا، هجاءً، قدحًا وذمًّا، غزلاً أو وقوفًا على الأطلال، أو لربّما حكمًت ومواعظَ شعريةً .

سأبدأ ببيتٍ من الشعر وستردّون ببيت يبدأ مطلعه بالحرفِ الذي انتهيتُ عنده. واضح؟ اتفقنا؟

أجابوا: أجل، وصلتِ الفكرة والبداية لحضرتكم عنكبوتَنا الجليل .

اممممم.. همهمَ العنكبوت محاولاً نفضَ ذاكرته لبدايةٍ قويّة «من كعب الدست» وقال بصوت عالٍ حتى كاد عرقُه الوداجيّ ينفتق  :

عليَّ نحتُ القوافي من معادنه

وما عليّ إذا لم تفهمِ البقرُ

خيّمَ الصّمتُ على الحضور لبرهةٍ، ولكن ما هي إلا ثوانٍ حتّى ردّ أحدُ الحاضرين:

رأيتُكَ تنبحني سادرًا

كفعلكَ بالقمرِ الباهرِ

وما زال ذلك دأبُ الكلا

بِ وما ذاكَ للبدرِ بالضائرِ

سأل العنكبوت بحنقٍ ظاهرٍ: ومَن ناظمُ هذه الأبيات- من غير شرّ؟!

أجاب المتباري: ولوووو؟! إنه ابنُ الروميّ أوَ لم تسمع باسمه من قبلُ؟

تجاهلَ العنكبوتُ ذلك الردَّ، وأسرع قائلاً :

رأيتُ المنايا خبطَ عشواءَ من تصبْ

تُمتْه ومن تخطئْ يعمَّر فيهرمِ    

ساد الهدوءُ قليلاً ثمّ صدح صوتٌ من وسط القاعة يقول :

متى يبلغ البنيانُ يوماً تمامه

إذا كنتَ تبنيهِ وغيرُكَ يهدمُ

متى يرعوي عن سيّءٍ مَن أتى به

إذا لم يكن منه عليه تندّمُ

انتفضَ العنكبوتُ مجدّداً قائلاً: ولمَ تردّونَ على البيت ببيتينِ اثنين؟

قال الجميع: هو مزيدٌ من التحدّي ليس إلا يا سعادةَ العنكبوت العظيم !

قال محاولاً رسمَ ابتسامةٍ على مُحيّاهُ: ههه لا عليكم، سأهزمكم مهما فعلتُم، وسترَون، ويضحك كثيرًا من يضحكُ أخيرًا هاهاهاها.. هيّا اسمعوا هذا :

مولايَ قد نامت عيونٌ

وتيقّظت أيضًا عيونُ

نامت عيونُ الخائنينَ

وعينُ نجمِكَ لا تخونُ

على الفور صرخ أحدهم على باب القاعةِ بصوتٍ أجشَّ :

نهارُكَ يا مغرورُ سهوٌ وغفلةٌ

وليلكَ نومٌ، والرّدى لك لازمُ

التفت العنكبوت إلى مصدر الصوتِ ليتبيّنَ قائلَ البيت، لكنّ تزاحمَ الناس حالَ دون الوصول إلى غايته، فعضَّ على شفتيه مغتاظًا وأردف قائلاً :

مَن ذا يعيرُكَ عينهُ تبكي بها

أرأيتَ عيناً للبكا تُعارُ؟

طلب أحد الجالسين الإذنَ بالكلام، فأومأ إليه العنكبوت بالموافقة، فقال المتحدّي :

رأينا للزكيّ جدارَ أنفٍ

يضاهي في تشامخه الجبالا

تصدّى للهلالِ لكي يراهُ

فلولا عظمُهُ لرأى الهلالا

جسَّ العنكبوت أنفه متضايقاً من اختيارِ هذا البيت، لكنّه تابع التّحدّي والغضبُ بادٍ عليه متجاهلاً ذلك المُفوّهَ! وقال :

لكلِّ داءٍ دواءٌ يُستَطبُّ به

إلا الحماقةَ أعيت مَن يداويها

وعلى الفور ردّ أحدهم :

أتانا أن سهلاً ذمَّ جهلاً

علومًا ليسَ يعرفهنّ سهلُ

علومًا لو دراها ما قلاها

ولكنّ الرّضى بالجهلِ سهلُ

قال العنكبوت: امممم تمتحنونني بحرف اللام، حرف اللام حرف اللام، خذوا إذاً :

لا تقل قد ذهبت أيامُه

كلّ مَن سار على الدربِ وصل

فردّ أحدهم :

لو أنّه صُوّر من طبعه

كان ـ لَعَمري ـ عقربًا راصده

قال العنكبوت: الهاء سهلةٌ جدّاً.. إليكموها :

هيَ الدنيا تقولُ بملءِ فيها

حذارِ حذارِ من بطشي وفتكي

هاتوا ياءً بسرعة، هيّا .

وبأقلَّ من ثانية هتف أحدهم :

يا ناطحَ الجبل العالي ليكلمَه أشفق على الرأس؛ لا تشفق على الجبلِ

ردّ العنكبوت :

لم يبقَ لي لذّةٌ إلا التعجّبُ من

صرفِ الزمان، وما يأتي به القدرُ

قال أحدهم إليكَ راءً حضرةَ العنكبوت :

رأسٌ جلاهُ الدهرُ حتى قرّعه

فلم يدع في جانبيه قرعهْ

كأنّما قرّعه ليصفعهْ

للهِ تلك الهامةُ المربّعهْ

إذا بدت كالفيشةِ المقصّعة

مصقولةً مدهونةً مصنّعهْ

ثمّ هوت فيها يدٌ كالمقمَعة

بصفعةٍ هائلةٍ مشعشعهْ

كأنها نفاخةٌ مفرقعةْ

ياليتَ لي يافوخَهُ وأخدعه

تحسّسَ العنكبوتُ رأسَه مبديًا ابتسامةً مصطنعةً، قائلاً: أوَ تتحدّاني بمعلّقتكَ الهائيّة؟ إذاً هاكَ هذي الهاء :

هي الحياةُ التي تحيا النفوسُ بها

تميتُها كلما شاءت وتحييها

حرف الألف، هلمّوا إليّ ببيتٍ مطلعه ألفٌ. وقف أحد المبارزين من الصفّ الأول محرّرًا ربطةَ عنقهِ قليلاً وقال :

احذرِ الأحمقَ أن تصحبَه

إنّما الأحمقُ كالثوبِ الخلق

كلّما رقّعتَه من جانبٍ

زعزعته الرّيحُ يوماً فانخرق

أو كصدعٍ في زجاجٍ فاحشٍ

هل ترى صدعَ زجاجٍ يلتصق؟

فإذا عاتبتَه كي يرعوي

زاد شرّاً وتمادى في الحمق !

ضحك العنكبوت بلؤمٍ، محاولاً إظهارَ خفةِ ظلٍّ سمجة وسائلاً قائلَ الأبياتِ السابقة:

أوَ تتحدّثُ عن نفسكَ بُنيَّ؟!

لم تجد هذه الدعابةُ تجاوبًا من الحاضرين، فسارع العنكبوتُ لتغيير الحديثِ، وقال:

أنهيتَ شعركَ أيها المتحدّي بالقاف، والقاف ليس بحرفٍ سهل لكنه عليّ هينٌ؛ اسمع:

قيمةُ الإنسانِ ما يحسنهُ

أكثرَ منه، أو أقلّ

هيا، أيها الحفظةُ هاتوا لي بيتًا لاميَّ المطلع. قام أحدهم فورًا وهو يعدّلُ في هندامه وردّ بهذا البيت :

لو تلقّفت في كساء الكسائي

وتلبّستَ فروةَ الفرّاء

وتخلّلتَ بالخليلِ وأضحى

سيبويه لديكَ رهن سباءِ

وتكوّنتَ من سوادِ أبي الأس

ودِ شخصًا يُكنّى أبا السوداءِ

لأبى اللهُ أن يعدّكَ أهلُ ال

علمِ إلا من جملةِ الأغبياءِ

اضطّربَ العنكبوتُ إثرَ سماعه تلك الأبياتِ؟ ولكنّه تحاملَ على نفسه وأبدى عدم اكتراثٍ بمعانيها قائلاً: أوَ تتحدّونني بالهمزةِ؟ إذاً خذوها منّي :

أدهى من الجهلِ علمٌ يطمئنُّ إلى

أنصافِ ناسٍ طفَوا بالعلمِ واغتصبوا

هيّا يا فطاحلَ الأدب أعطوني واوًا. ففكر الحاضرون قليلاً، فإذا بالعنكبوت يكشّرُ مبتسمًا، معلناً قربَ انتصاره، إلى أن قام أحدهم من الصفوفِ الخلفيّة ليقولَ :

وقيمةُ المرءِ ما قد كان يحسنه

والجاهلونَ لأهلِ العلم أعداءُ

برم العنكبوتُ شفتيه ثمّ تمتم: الهمزة، الهمزة، لينطق بالآتي :

إنّ الأفاعي وإن لانت ملامسها

عندَ التقلّبِ في أنيابِها العطبُ

وما كاد ينهي بيته حتى فاجأه أحدهم بالقول :

بما أهجوكَ لا أدري

لساني فيكَ لا يجري

إذا فكّرتُ في عرض

كَ أشفقتُ على شعري

هُنا أوقفَ العنكبوتُ المساجلة الشعريةَ ونظر إلى ساعته قائلاً :

إنني مضطرٌّ للمغادرةِ، ولكن لا يظنَّنَ أحدٌ أنّي قد هُزمتُ، فلولا ضيقُ وقتي لبارزتُكم طوال اليوم، ولكسبتُ الجولاتٍ تلوَ الجولاتِ دونما أدنى شكٍّ!

* د. محمد عامر مارديني ـ وزير التعليم السابق بسوريا.

شاهد أيضاً

كـشْ نَرْدي .. فاتن عبد السلام بلان

  النَّهْرُ يُشَاكسُ بالعَنْدِ يَحْتَالُ عَلى قَلْبٍ عِنْدِي   يا مَوْجَ الحُبِّ اليُغْرقُني مَا كُنْتَ …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية