العرب والتنوير  ..خلط الزيت بالماء وشقاء الأمة (3 ـ 3) .. حسن العاصي

حسن العاصي

هل فشل المشروع التنويري العربي؟

إن بعض التنويريين العرب انشغلوا في الفكر النظري وغرقوا في التفاصيل، دون أية محاولات تطبيقية عملية لهذه الأفكار في الواقع المعاش. لقد كان المشروع التنويري العربي مشروعاً نخبوياً بالكامل، ولذلك ظل معزولاً ولم يتجذر في عمق المجتمع، وأبداً لم يتحول إلى مشروع شعبي لأنه افتقد الظروف الاجتماعية والسياسية والثقافية المناسبة، وظل ضمن دائرة ضيقة من المتنورين. لذلك نعم فشل التنوير في الوطن العربي، ولم تتح للمثقفين العرب فرصة تحويل الفكر التنويري إلى فكر جماهيري، حتى أن الفكر الاشتراكي فشل اليسار التقدمي في نقله وجعله قابلاً للحياة في مجتمعاتنا، وأظن أن التحديث والتقدم المادي في العالم العربي كان مفصولاً عن التطور العقلي، فعلى سبيل المثال قام العرب بإرسال الطلاب لتعلم العلوم المادية والتطبيقية والصناعية في الغرب، لكنهم لم يرسلوا أحداً لتعلم الفلسفة، وهذا ما أدى إلى فشل مشروعهم المادي، لأنهم حاولوا ـ بمعرفة أو جهل ـ فصل العقل عن المادة.

يمتك العرب من الثروات ظاهرها وباطنها، ومن الكوادر العلمية والثقافية والاقتصادية ما يجعلهم في مكانة أفضل من الواقع الحالي، ويؤهلهم لمشاركة فاعلة ومهمة في بناء هذا العالم. لكن كما تعلمون فإن هذه الثروات في معظمها مهدورة ومبدّدة أو مقيدة، وهذا يفسر الفشل الذريع في نهضة المؤسسات الحكومية في معظم الدول العربية، هنا يظهر دور المثقفين وخاصة ذوي العقول التنويرية والثقافة القادرة على التغيير، فالإصلاح الثقافي هو حجر الأساس لأي إصلاح بنيوي شامل، وهو الذي يبني الدول ويضعها في طريق التطور الديمقراطي.

يمكن بناء العقل إما بالعودة إلى ما هو قديم لمحاولة إحياء ما يصلح من عناصر قديمة وإعادة صياغتها من جديد بشكل معاصر، بما يتلاءم مع كافة المتغيرات التي أصابت العقل، وبما يتناسب مع المناخات والظروف الحالية في الواقع الراهن. وإما بناء العقل من خلال العقل الحداثي الغربي، واستخلاص ما يتناسب منه مع الحال الراهن للعقل العربي، بحيث يمكن له الخروج من حالة الجمود والاستعصاء المزمن. أو من خلال الاعتماد على الإنتاج المعرفي الخالص لبناء العقل العربي، دون الاستعانة بفكر الآخرين، مع مراعاة الاحتفاظ بالعناصر والخصائص الموروثة الضرورية والتي لابد من التمسك بها لبناء عقل عربي يأخذ بالحسبان حقائق التطور والحداثة.

 

حالة عربية لا عقلانية

غياب الديمقراطيات العامة في الوطن العربي أتاح للعنف أن ينتشر، والعنف مظهر يؤكد غياب العقلانية في العلاقات، عدم مقدرتنا على تقبل فكرة الاختلاف لأننا نظن بامتلاك الحقيقة كاملة، وبالتالي تغيب المقدرة على إمكانية الاختبار طالما الحقيقة يمتلكها طرف ويحاول فرضها على الآخرين بالعنف. هذا يحصل في غياب شبه تام لدور المثقف العربي الحقيقي الذي يمتلك المقدرة على خدمة محيطه الاجتماعي بما يحقق تقدمه وتطوره في سياق رؤية إصلاحية، لكن حين يتحول المثقف إلى حالة هلامية تنضح نرجسية وأنانية فقل على البلاد السلام.

مناهج التعليم العربية التي تعتمد على التلقين وليس على تحريض العقل ومدارك الطلاب، هذه المناهج تقتل الإبداع والابتكار عند الطلاب العرب الذين يولدون أذكياء حتى يلتحقوا بالمدرسة التي تقوم بعمليات تعليمية ترسخ الواقع العربي المقيت، بنمطية لا يمكن معها احترام فكرة الفردية والخصوصية في التعلم التي تنمي الخيال، وتشجع على مقاربة علمية للتنافس بين الطلاب، القائم على فكرة أنني حتى أتفوق فلابد من هزيمة الآخرين.

وظل الفكر التنويري العربي يحضر فقط في شعارات بعض المفكرين، وخطابات بعض المثقفين، وعلى شكل دراسات أكاديمية الغاية منها الحصول على درجة علمية، لكن هذا الفكر بقي مهملاً دون تطبيق ودون تجربة ومن غير توفير فرصة الاختبار.

 

فك اشتباك

بظني أن العرب على موعد مع الفكر التنويري الذي ما زال يتعثر، والحديث عن التنوير العربي يقودنا للتطرق إلى المشروع النهضوي العربي الذي غاب عن المنادين به أهمية ريط هذا المشروع بالمعرفة والعلم والعقل والتقنيات الحديثة، وعدم الاكتفاء بالتركيز فقط على العلاقة الاستهلاكية مع الغرب. إن قدرة العرب على ملامسة ملامح المشروع النهضوي الإصلاحي التنويري العربي تتوقف بشكل أساسي على حسم حالة الاشتباك القائمة بين السلفية والقيم التقليدية والنظم المحافظة، وبين قيم الحداثة والعصرنة والتطور، وهي حالة من الالتحام ما زالت قائمة ثقافياً وفكرياً وسياسياً في العديد من الدول العربية. لابد لنا من معرفة ذواتنا ومحيطنا وواقعنا بهدف إزالة كافة العقبات أمام مشروع إصلاحي عربي يحقق علاقة سليمة بين المواطن والنظام السياسي، بما يضمن مشاركة المواطنين في إدارة شؤون حياتهم، ويوفر ممارسة ديمقراطية تحافظ على حقوق الناس الأساسية التي تم هدرها والتغاضي عنها طوال عقود من الحكم الاستبدادي في معظم الدول العربية، فلا سبيل إلا بالخروج من حالة الكبت السياسي، ومن وضع ثقافة الحاكم القسرية، ثقافة الاتباع والإلحاق والامتثال الجبري، ثقافة الخوف من السلطة ودفن الرؤوس في الرمال، ثقافة لا يمكن أن يكون عليه الحال أفضل مما هو عليه، الثقافة التي تشجع الأنانية والفردية وتضرب الانتماء للجماعة وللوطن. نحتاج إلى ثقافة مغايرة، ثقافة إبداعية تغييرية، ثقافة تسعى إلى تطوير القيم الأخلاقية والإنسانية، ثقافة تدعو وتحترم حرية الاختيار، تحترم وتصون الحق في المشاركة والحق في الاختلاف دون خوف.

نحن أمام ثقافتين في الواقع العربي، ومن يمتلك سلاح العلم والمعرفة والاتصالات، من يمتلك الإنتاج الثقافي والعلمي والمعرفي، من يستطيع تطويع الأيديولوجيات في خدمة الثقافة وليس العكس، من يستطيع أن يجعل من الثقافة قيمة تخدم مصالح الناس وتطور مجتمعاتهم، من يمتلك هذا سوف يكون الطرف الرابح في معركة التجاذبات القائمة حالياً.

 

تفكيك الجدار هذا ما نحتاجه

المشروع التنويري العربي ما زال ينتظر خلف جدار من المعيقات التي تمنع تحقيقه، وهي الجمود الفكري، والتكلس العقلي، سيطرة ثقافة النصوص وتراجع العقل التحليلي والاجتهادي إلى مراحل خطرة، أيضا من المعيقات الانغماس الفكري في التراث القديم لدرجة تقديسه وهيمنة الخرافة والأساطير على بعض العقول، وانتشار النزعات التواكلية واللا مبالاة مع تراجع مخيف للإبداع وللمبادرات الفردية، شيوع الأنانية والنرجسية لدى قطاع واسع من المثقفين العرب، تضخم بالنفاق الفكري والسياسي، وجود ثقافة تبريرية لكل شيء، انتهازية ثقافية وسياسية واجتماعية واسعة، غياب ثقافة المواطنة، لا وجود لدولة المؤسسات، وهيمنة المفاهيم والأعراف الاجتماعية والقيم العشائرية والطائفية والمذهبية على حساب القيم الوطنية والإنسانية والحضارية والقانونية، عدم تقدير الكفاءات في مختلف القطاعات، وانتشار المحسوبيات والواسطة، احتقار الإنتاج الوطني مهما علا شأنه وتقديس أي إنتاج وافد على بلادنا مهما صغر شأنه، شيوع نزعة التقليد للغرب في كل شيء دون معرفة ودراية بالثقافة الغربية، وجود ثقافة لا تحترم الموروث وتدعو إلى تبني ثقافة الآخر دون شروط ودون مراجعة ودون احترام خصوصية واقعنا، ثقافة هيمنة القيم والأنماط الاستهلاكية وتفشي النزعات المادية والغرائزية، والأنانية المفرطة، والتحلل غير المفهوم والعشوائي من منظومة القيم المجتمعية.

نحن نحتاج إلى بناء مراكز أكاديمية ومراكز أبحاث كبيرة، لبناء المؤسسات التربوية والتعليمية الوطنية وعلى المستوى الجمعي، للبدء في بناء مشروع تنويري يقوم بتعزيز الشخصية الوطنية والقومية والإسلامية والإنسانية للأمة العربية، مشروع لا يستثني أحداً من مكونات المنطقة من مختلف الأعراق والطوائف والمذاهب، يساهم فيه الجميع على قدر واحد من الحقوق والواجبات، في بناء مستقبل يضمن العيش الكريم للجميع في دولة المواطنة التي لا تفرق بين أبناء الوطن الواحد.

إننا نحتاج إلى المثقفين الذين يؤمنون بالممارسة وليس الملامسة، للبدء بمشروع نهضوي عربي يعتمد النقل والعقل والعلم ـ بقيادة العلم ـ يبني الدولة العصرية التعددية المؤسسية، والقضاء على الفكر المطلق والأيديولوجية الشاملة، معتمدين على جيل عربي شاب قوي وذكي ويستعمل وسائل اتصال حديثة تطورت بشكل مرعب خلال ربع القرن الأخير. لذلك على المثقفين العرب والإصلاحيين والتنويريين الخروج من الغرف المغلقة والتخلص من والشعارات الخشبية كي يأخذوا دورهم المجتمعي الطبيعي في بدء حوار جمعي عقلاني حضاري هادئ بين جميع الأفكار، لصياغة استراتيجية نهضوية جديدة، تكفل إعادة الاعتبار للعقل العربي، وتوفر حياة كريمة لصاحب هذا العقل. فالدور المطلوب من المثقفين والمفكرين العرب اليوم هو لعب هذا الدور الريادي المهم في استنهاض جميع مقدرات الأمة، هذا الدور يقوم على المشاركة الحقيقية للمثقفين في التغيير، وعدم الاكتفاء برصد ومراقبة وملاحظة التطورات والمفاعيل التي تحدث في واقعنا العربي، خاصة في هذه الفترة الفارقة في تاريخ العرب، فإما نكون أو لا نكون.

* كاتب وباحث فلسطيني مقيم في الدنمارك.

شاهد أيضاً

رحاب السماحي

البوركيني .. وأنا .. رحاب السماحي

  لم أكن أتوقع يومًا أن أرتدي البوركيني الذي طالما انتقدته.. ذلك الزي العجيب الذي …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية