الظلّ .. سفيان رجب

 

أنا الآن في مربّع الوقت، أتبخّر تحت الشمس، وأتفنّن في تعذيب نفسي بالسجائر والعزلة.

لكن، ما ذنب هذا الكائن الهلاميّ الأسود، المربوط إلى قدميّ؟

من هذا السؤال المخبول، وُلدت رغبتي في تحرير ظلّي عن جسدي. هو يستحقّ بعد هذه السنوات الطويلة من إخلاصه الأسطوريّ لي أنْ يتحرّر نهائيّا من جسدي.

يمكنه الآن، أن يقف قرب زهرة عبّاد شمس، ويرفع سبّابته ليحطّ عليها عصفورٌ، فيبدو مثل فزّاعة سعيدة، تقوم بدور كوميديّ لمزارع بائس أمام سرب من الطيور الكئيبة.

يمكنه كذلك، أن يذهب إلى شاطئ يافع على خدّيه نمش أحمر، فيدقّ قدميه في الرمل، ويشير إلى غيمة بعيدة، فيبدو مثل مظلّة بينما تتمدّد تحته امرأة شبه عارية.

يمكنه أن يخيط فمه بفمِ ظلّ آخر، هو ظلّ فتاة كانت تفكّر في الانتحار، على جسر فولاذيّ فوق وادي مجردة، تحديدًا قرب مدينة أوتيك القرطاجية، هي فتاة من أصول موريسكيّة وهذا واضح من حمرة خدّيها، وقد لا يعنينا من أمرها سوى ظلّها الذي رافقه ظلّي تحت ضوء القمر. بعد ذلك، يمكنه أن يتعانق مع ظلّ الفتاة على ضوء أباجورة حمراء، ويجسّدان حركات مثيرة من الكاماسوترا، ومنهما ستخرج ظلال صغيرة تمرح في مكان الضوء.

إن عاد إليّ ظلّي، سيجدني، في المكان ذاته الذي تركني فيه، فيقف قبالتي تمامًا، وبمجرّد أن يرفع يده اليمنى، أكون أنا قد رفعت يدي اليسرى، ثمّ يحرّك رأسه ناحية اليمين، فأحرّك أنا رأسي ناحية الشمال، وأدخل معه في دوّامة من الرّقص، وهو يهتف: أخيرًا أصبح لي ظلّ، لأخيف به لصوص المصابيح، وأمثّل به أدوارًا تراجيديّة خالدة في مسرح الشمس.

* تونس.

شاهد أيضاً

محمد عبد الرحيم

أنا وحبيبتي نسكن في المزرعة السعيدة .. محمد عبد الرحيم

  أنا وحبيبتي نسكن بالمزرعة السعيدة، نزرع طعامنا من الفاكهة والخضروات الطازجة، كالإجاص والمشمش والعنب، …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية