الطريقة النِرمِينِية .. عبد العزيز دياب

عبد العزيز دياب

 

نِسبة إلى الأستاذة «نرمين مَرْعَشْلي» أعلنت وسائل الدعاية: الملصقات بالشوارع. الجرائد. المجلات. القنوات الأرضية والفضائية، عن انتظار صدور التحفة النادرة، والجوهرة الآسرة، الفيض الغامر، والعلم النادر، ألا وهو كتاب «الطريقة النرمينية» لمؤلفته الأستاذة القديرة، الفقيهة المتفقهة، الواعدة الرائدة «نرمين مَرْعَشْلي».

كل وسيلة من وسائل الدعاية تفننت في طرح إعلانها عن الكتاب، جميعها وضعت غلافًا مُتَخَيَّلا، كل على طريقته وحسب توقعاته، فلم يكن قد تم طباعة الكتاب بعد، فهذا مكتب «ضرغام» للدعاية والإعلان قام بعمل تصميم متخيل للغلاف، يضم صورة لشاب يمسك بكف حبيبته وهما يقفزان من فوق بناية عالية.

أما جريدة «الصباح» قدمت صورة لغلاف مُتَخَيَّلْ قامت بتصميمه كنوع من الدعاية للكتاب عبارة عن امرأة تقوم بدق زوجها في الهون بكل قوة وشراسة، كان الغلاف معبرًا وموحيًا، فيه الكثير من الطرافة، بل فيه الكثير من الغرابة، خاصة وأن الزوج كانت ملامحه وهو في الهون تحمل مزيجًا ما بين الرعب والسعادة، ما بين الدهشة والانكسار.

بنفس التوجه جاء تصميم قناة (MMM) للغلاف المُتَخَيَّلْ الذي قامت بعرضه على شاشتها، كان أكثر فنية: زوج طيّرته نفخة زوجته في الفضاء بعيدًا عنها متضائلاً تبحث كفه عن شيء وهمي لتمسك به.

حملة الدعاية المكثفة عصفت بالجمهور عصفًا، وفي استطلاع للرأي قالت سيدة كانت تمشي في طريق كورنيش النيل: حتمًا سيتحدث كتاب الطريقة النرمينية عن الطريقة المثالية لامتصاص غضب الزوج، قالت ذلك ولَعَّبَتْ شفتيها المضمومتين إلى اليمين وإلى اليسار، كأنها تقول ليس هناك زوجة واحدة على ظهر الأرض تستطيع أن تمتص غضب زوجها.

وتحدث رجل كان يجلس في مقهى شعبي، وصف نفسه وهو يلفظ دخان سيجارته في دفقات متتابعة بأنه خبير في مثل هذا النوع من الكتب، وأن الكتاب حسب الحملة الإعلانية التي كُرّسَتْ له حتمًا سيكون موضوعه هو الإجابة على السؤال: هل يستطيع الرجل الشرقي التخلي عن نظرته الذكورية؟

وفى هذا المقام، نسوق بعض آراء الجمهور التي قام بعرضها تقرير معهد SMS)) للدراسات الاجتماعية عن كتاب «الطريقة النرمينية» كالآتي:

هي الطريقة التقليدية لعمل فطيرة بشرائح التفاح.

الطريقة المثالية لقصات شعر عصرية.

الطريقة المهذبة للتخلص من خصومك.

الطريقة التي تجعلك جذابًا ومحبوبًا من الجنس الآخر.

الطريقة التي تستطيع من خلالها تحقيق ثراء عاجل.

الخلاصة أنه لم يكن هناك قول حاسم حول موضوع الكتاب، لكنني قلت عن الكتاب، عندما استضافني برنامج الإذاعة المدرسية، إنها الطريقة المبتكرة التي يستطيع خلالها مدرس فلسفة مثلي الإجابة على سؤال طلابه عن الطريقة النرمينية في لقائه بهم خلال الإذاعة المدرسية.

ضحك طلاب المدرسة ولم يفهموا معنى أن يتحدث الإنسان عن كتاب لم ينشر بعد، فقط عنوانه هو كل ما هو معروف عنه.

بدأت الضجة حول كتاب «الطريقة النرمينية» تخفت قليلاً، رغم الانتظار الممل لصدوره.. فقد الكثيرون الأمل، ولم أكن أتوقع أثناء جولتي لشراء بعض الكتب، أنني سأجد أمامي كتابًا يحمل نفس العنوان: الطريقة النرمينية، لنفس مؤلفته: نرمين مَرْعَشْلى، سارعت واشتريته على الفور، ولأنني كنت مزدحمًا بمهام كثيرة، أجَّلْت تصفحه إلى ما بعد أن أصل إلى البيت، الغريب أنني في طريقي وقعت تحت مشاعر غريبة لا أعرف كنهها، كانت مزيجًا ما بين القشعريرة والرغبة في الضحك، ليس ضحكًا عاديًا، بل قهقهة ذات نغمة مفرطة تجعل ريالتي تخر، هذا إلى جانب شعوري بخفة الكتاب وثقله الشديد في آن واحد.

بمجرد وصولي إلى البيت حدثت أشياء كثيرة غير متوقعة، أولها أن كالون الباب عاندني كثيرًا ولم ينفتح، رغم أن الكالون هو الكالون، والمفتاح هو المفتاح، بالصبر والحكمة، وقليل من السباب، وكثير من الزفرات انفتح الباب، بمجرد دخولي شعرت بحركة ما مريبة، خايلتني أشباح تجوس في الردهات والزوايا قبل أن تختفي، سمعت حديثًا لأشخاص غير مرئيين يكتنفه همس لزج فيما يشبه المؤامرة، بِرَكْ دم صغيرة.. ساخنة.. طازجة، كانت تسبح كمراكب تمخر عباب أرضية البيت، ضجة كبيرة كأن زجاجًا تهشم، صوت غناء أطفال ينشدون على نقرات إكسيليفون، اندفعت أفتش عنهم في كل الحجرات، كل ما هنالك أن صرخات جائعة لإناث لطمتني، كأنني أخطأت ودخلت بيت دعارة، رائحة فظة ودخان لبخور عتيق، صيحات لوحوش كأنها تركض في البرية.

ما جعلني أتماسك هو إيماني بأنه لا شيء جديد في هذا البيت/ بيتي إلا كتاب السيدة نرمين مَرْعَشْلى، وجدتني أندفع إلى الشرفة والكتاب في يدي، فتحته، هالني ما رأيت: كانت كل صفحاته بيضاء بما تحمل من سوء: بصمات لأصابع وأكف ملوثة، بقع لألوان مختلفة تكتنف العديد منها، حشرات محنطة ليس على طريقة طلاب الجامعة والمرحلة الثانوية، إنما سوء حظها أوقعها بين دفتي الكتاب قبل أن تغلقهما كَفَّانِ مجهولتان.. شعرت بالندم على الجنيهات التي دفعتها ثمنًا له.

الشيء الذي أصابني بالفزع، هو تلك الوفود الكثيفة الآتية من كل فج.. بشرٌ تزاحموا أسفل شرفتي، أطلقوا هتافًا فهمت من نغمته أنهم يطلبون الكتاب، لم أعرهم اهتمامًا، طوّحت به في الفضاء، شعرت بقوة غير مرئية تطوّح به معي، انفلت، أوغل في الفضاء، اندفعوا يركضون وراءه، لكنه سافر بعيدًا.. بعيدًا حتى صار نقطة صغيرة بالكاد يمكن رؤيتها.

شاهد أيضاً

محمد عبد الرحيم

أنا وحبيبتي نسكن في المزرعة السعيدة .. محمد عبد الرحيم

  أنا وحبيبتي نسكن بالمزرعة السعيدة، نزرع طعامنا من الفاكهة والخضروات الطازجة، كالإجاص والمشمش والعنب، …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية