الصدمة .. سعيد سالم

سعيد سالم

 

إما أنني أحلم وإما أنني لست أنا، ذلك الحائر في غرفة مكيفة بفندق دانماركي فاخر في قلب محطة وصولي الأولى من مطار القاهرة.. هكذا فعل بي حنيني إلى رؤية ما قرأته وما سمعته عن الإنسان المتحضر والحياة الراقية.. كنت أشعر أنني طير حبيس قُص جناحاه كلما وقفت على شاطئ البحر بالإسكندرية أرقب خط التقاء المياه بالأفق على المدى البعيد. يتوهج خيالى وينتفض قلبي فتهيم روحي وراء ذلك الخط الوهمي الذي يفصل بيني وبين العالم الذي أعشقه. يبهرني أن هناك مخلوقات بشرية أخرى من صنع الخالق لكنها تختلف عنا في كل شيء اختلاف دفء الجنوب عن صقيع الشمال.

إذن أنا موجود على أرض الغرب.. بعيدًا بعيدًا عن الأهرام وأبي الهول ورعمسيس ومقاهي الحسين وشاطيء الأنفوشي ونفرتيتي وأساطير الخلود. أنا الآن في حضرة نوبل وبرجسون وأينشتين وسارتر وبيتهوفن وشكسبير، أختال بانتسابي إلى روعة العقل الإنساني.. ها هي الشوارع المتألقة ببريق النظافة تحتضنها بيوت صغيرة تمتليء شرفاتها بالورود، إلا أنها تكاد تخلو من المارة لدرجة أدهشتني.

راحت المرشدة الدانماركية التي لا تقل عن الثمانين تشرح لنا معالم مدينتها بثقة، عبر الميكروفون المجاور للسائق، بينما العربة سائرة في أحضان اللونين الأبيض والأخضر تحت مظلة من سماء رمادية موحية بالشجن.. تفتخر بتاريخ بلادها لكنها لا تفرض علينا هذا الفخر. تتمسك بأن اسم مدينتها «كيبنهافن» وليس «كوبنهاجن» كما يقول الجميع.. أرى على وجوه الناس بسمة من نوع غريب، إذ أنها مقترنة بالجدية والصرامة. فجأة تتساقط نتف الثلج الهشة على الأرض كما تتساقط الأفراح على حياة امرأة أنهكها الحزن .

في الطريق إلى ميناء هلسنجور، حيث الحدود الفاصلة بين الدنمارك والسويد، كانت أسماء كالموسيقا تداعب أذني. أسمعها تتردد بين كارل جوستاف مدير البعثة وبين زملائي من الدول النامية الأخرى.. أسماء مثل ستوكهولم. ماركاريد. هوديكسفال. بورلنج. جوتنبرج.. من المؤكد إذن أن الحياة ليست شيئًا سخيفًا على إطلاقها، فقد سبق أن قلت من قبل: «إن مولدي ومماتي لا يعنيان أكثر مما تحتمل الكلمتان من معنى، أما المسافة بينهما فهي مجرد حلم سخيف».

فوجئت بدخول العربة إلى قارب ضخم عرفت أن اسمه «الفرى بوت» أو العبّارة التي ستنقلنا عبر البحر إلى ميناء هلسنبورج السويدي. كنت أعلم قبل سفري أن السجائر هنا مرتفعة السعر فأخفيت بين محتويات حقائبي ست باكيتات من سجائر «كليوباترة» المصرية التي لا أدخن سواها، على الرغم من علمي بأنه لا يصرح بالعبور إلا لباكيتتين فقط .

كنت متأذيًا من حماقتي إذ أبدأ تجربتي في بلاد تحترم القانون وتقدسه بمخالفة هذا القانون والالتفاف من حوله. لم أشأ أن أورط نفسي فقررت مصارحة كارل بالأمر، فاجأني بضحكة مصرية وهو يقول :

ـ إنني يا عزيزي أواجه نفس المأزق .

كارل جوستاف جسد عملاق ووجه باسم وصوت حنون وروح مرحة.. أحببته منذ الدقائق الأولى للتعرف به. أحببته على مسئوليتي على الرغم مما سمعت من تحذيرات عن هؤلاء القوم الذين لا يتعاملون إلا بعقولهم. سألته في دهشة :

ـ كيف؟

ـ معي أربع زجاجات من الويسكي اشتريتها من كوبنهاجن ولا يصرح لدخول السويد إلا بزجاجتين فقط لكل فرد .

ـ والعمل؟

ـ هل تحمل زجاجات ويسكي؟

ـ لا

ـ إذن أضع زجاجتين في حقيبتك وتضع باكتتين في حقيبتي

ـ تتبقى باكتتان

ـ لا تجزع فبيننا كثير من المساكين الذين لا يدخنون

ظننته يمرح ساخرًا، لكنه لم يخلف وعده رغم أننا عبرنا الحدود الدانماركية دون تفتيش !

في الطريق إلى ماركاريد ـ مقر البعثة الرئيسي ـ والتي أسميناها بالمنفى فيما بعد، حذرنا كارل بابتسامة مترعة بالمحبة من مطاردة الفتيات في الغابات مؤكدًا أن هناك الكثير من الدببة والأيائل ذات القرون القاتلة .

دمعت عيناي حين حوصرتا بجنتين عن يمين الطريق ويساره.. صفوف لا نهائية من أشجار الصنوبر السامقة والتنوب الفضي ومن خلفها غابات شاسعة لا يحدها بصر.. ما أجملك يا بديع السماوات والأرض.. ما أعظمك!

بصعوبة بالغة تخلصت من دهشتي الشديدة لموقف كارل من الجمارك الذي جعلني أشعر أنني لم أبتعد عن مصر كثيرًا. خاصة حين وجدت نفسي محاطًا بهندي وعراقي وكوبي وفيتنامي .

بعد أن انتهى حفل التعارف صعدت منهكًا إلى غرفتي بالمقر، منشغلاً بحيرتي الشديدة التي واجهتني أمام الآلات المتعددة، التي كنت مضطرًا لفهم كيفية التعامل معها، من خلال مراقبة الآخرين بحذر شديد وهم يضعون فيها القطع المعدنية للحصول على أي شيء، ابتداءً من تذكرة المترو وانتهاءً بكوب المشروب الساخن .

أول ما خطر ببالي أن أكتب خطابين إلى زوجتي وأمي، فوجئت بالعرق يتصبب على جبيني، وذهول مفاجيء يعتريني. ظللت أغدو وأروح داخل غرفتي الجميلة التي لم أتأملها بعد، وقلبي ينزف هلعًا.. هل عنوان منزلي أمام رقم (5) أم خلف رقم (6) أم بجوار رقم (4)، فليس لبيتنا رقم، ولهذا اعتمدت في مراسلاتي على تحديد العنوان منسوبًا إلى واحد من الأرقام الثلاثة .

قبل أن أفكر في النوم، وبعد أن دخنت حتى احترق صدري، ترددت في طلب طبيب البعثة لفحص ذاكرتي، وكان من الأنسب لي أن أتناول مهدئًا حتى لا أشعر أثناء نومي أنني نائم بذاكرة صعقتها صدمة الحضارة .

شاهد أيضاً

شريف عابدين

بأقل قدر من وهج  .. شريف عابدين

  تألقي.. بأقل قدر من وهج يتأجج في هدوئه المعتق منذ استرسال كاليستو كقمر رابع …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية