الشاهد .. عبد العزيز دياب

عبد العزيز دياب

 

أنت الآن شاهد، مثل أي شاهد، دفعتك يد خفية في لحظة معينة، لحظة بعينها إلى مسرح الحدث، أي حدث: ضرب. قتل. سرقة. تحرش ـ والعياذ بالله ـ بأنثى ذات حسن وجمال، المهم أنك أصبحت الآن شاهدًا، فاحتفظ لنفسك بهذه الحقيقة، أمسك بها حتى لا تفلت من بين يديك.

ربما تكون قد نسيت التفاصيل الدقيقة للحدث، إلا أنك حتمًا ستستدعيها بعد أن تؤهل نفسك للشهادة، مهمة جديدة ومثيرة أليس كذلك؟ انتبه فبعد لحظات سيأتيك الكبير بفرسته يختال بها، تلك الفرسة التي رأيتها كثيرًا في أحلامك، كنت تنهض من رقدتك وأنت تشعر بخِدْر لذيذ، تَذَكَّرْ الآن صهيلها، الذي كلما زغرد في أذنيك، زحفت إلى مكانها لتملأ بها عينيك.

إياك أن تنتفض أو ترتعش، كن باردًا وصامتًا وطموحًا، سَتُطْلَب الآن شهادتك، الكبير يأمر ولابد أن يُطَاع، وأنت رَجُلَه. أجيره. عَبْدَه ، انتظر لأنه لا يمتلك اليوم إلا أن يحايلك. يسايرك. يمسح على شعرك الخشن بكفه الطرية.

ها هي الفرصة قد جاءتك فاغتنمها، أعرف أن الكلمة محبوسة في حلقك، قلها بداخلك أولاً، ثم انطق حروفها هكذا: ا ل ف ر س ة… قل له أريد الفرسة، ستأخذه الدهشة ويغيب عنك لحظات يزداد فيها احمرار وجهه، كن ثابتًا فلا تهتز، لأنه سيعود إليك ـ من داخله مرغمًا ـ يسلمك لجامها وهو ينفخ، فليفعل ما يشاء، ينفخ. يفرك. يهرى. ينكت، هو وشأنه.

أراك الآن تماديت، طلبت منه العمامة ـ وهو الكبير ـ فخلعها آسفًا وهو يرمق رأسك المتسخ، استمرأت اللعبة فقلت: العباءة.. أريد العباءة، تمتم هذه المَرّة فعرفت أنه يسب أهلك، تجاهلته عندما شرع ينزعها عن كتفيه، ولولا أن المجلس الآن منعقد، لما تعرى أمامك وأنت الأجير، خلعها وأنت ترمقه وتبتسم.

الآن يمكنك أن تضع العمامة على رأسك، والعباءة على كتفيك، تمتطي فرسته، سيهلل خلفك صبية يضربون الكفوف، اهمزها لتندفع. ترمح، إذا التَفَتّ خلفك ستراه يتبعك صاغرًا وتشعر بأنك عنتر زمانه. بيدك اللجام الآن فافعل ما تشاء، لو انحرفت الفرسة إلى بيتك سترجع من هناك في موكب لا ينبغي للكبير ذاته، يزفك غناء وطبل وزغاريد. بيارق وأعلام.

إذا ما وصلت إلى المجلس الموقر ـ أصحاب الشوارب الذين امتطوا الدكك الخشبية ـ عليك أن ترتد إلى ذاتك، تشد لجام الفرسة، تهبط من فوقها، تخلع العمامة والعباءة لتقعى تحت الأقدام، تنتظر حتى يُؤذن لك بالكلام.

الليلة ـ وبعد أن ينتهي كل شيء ـ اخرج إلى الخلاء، انتظر في العتمة حتى يتسلل إلى نفس المكان شبح، ستراه وهو يسكب البنزين على عمامة، يحرقها، يقذف عباءة إلى البحر، لا تهتز إذا رأيتها تنتفخ، تمتليء عظامًا ولحمًا، جسدًا فتيًا يضرب بذراعيه الماء، انتبه الآن لأن الشبح سيقذف بفرسة إلى الخلاء، بسرعة ورشاقة امتطيها وفر، قبل أن ينطلق الرصاص كثيفًا باتجاهها.

شاهد أيضاً

شريف عابدين

بأقل قدر من وهج  .. شريف عابدين

  تألقي.. بأقل قدر من وهج يتأجج في هدوئه المعتق منذ استرسال كاليستو كقمر رابع …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية