الشاعر الكبير محمد الشهاوي يكتب: كلماتٌ ليست هي الأخيرة (1)

محمد الشهاوي

أعرف أنَّكم تعرفون جيِّدا جِدًّا، بل وأكثر مما أعرف:

أنّ من نافلة القول أن أقول: الإبداع هو الابتكار (أي الإنشاء والخلق والتسوية على غير مثال سابق).

وأعرف أنَّكم تعرفون جيِّدا جِدًّا، بل وأكثر مما أعرف:

أن “الإبداع الفني” هو استحداث وابتكار آليات ورؤى ودوال تتجاوز المعروف والمألوف والمرتاد والمعتاد إلى المغاير والمغامر.. والمشاكس والمناوئ.. والمقتحم والمباغت:

حقيقةً ومجازًا.. إيقاعًا وتشكيلا. تصوُّرًا وتصويرًا.. هروبًا بالذات المبدعة من كلاليب أقانيم المكرور، والمرور إلى أقاليم المجهول لبدء فاعليات “مارثون” السباحة ضدَّ شراسة سلطة تيار الرتابة، وعنف سلطان التقييد والتقليد والترديد وتعطيل وتعطيب محرِّكات وأجهزة فلك رحلة الشوق والتوق والإصرار على مواصلة دائمية الإبحار والغوص بحثًا وتنقيبًا عن عروس يخبِّئها الماء.. أو لؤلؤة تُجِنُّهُا محارةُ الأسرار بعيدًا.. بعيدًا عن متناول أيدى سَدَنَة المُكوث والمكوس، وكهنة النكوص والتوقُّف والتجمُّد والتجلمد والخمود، وعسس وحرس الثبات والسبات والموات، وحَفَظَة أَبَدِ التيبُّس والتمترس والتشبُّث بأهداب قلاع مقاومة رياح التجريب والتغيير.

وأعرف أنَّكم تعرفون جيِّدا، بل وأكثر مما أعرف:

أنَّ “العملية الإبداعيّة” إن هي إلا التحكُّم الجيني في خلايا الهَيُولِيِّ والهلاميِّ والغُـفل لاستدراج الكائن المغاير إلى حضرة معيَّة التهيُّؤ والتشيُّؤ والبزوغ والحضور والمثول والسطوع، و”معمليَّة” ذلك هي تعديل تركيبة أعراف تقليدية التناول والإنتاج، وهندسة حِدة تلك الأعراف وطغيان سيادة صفاتها الوراثية هندسة قادرة على منح “المنتَج الفنِّى” خصائص جديدة تجعله المختلف لا المؤتلف.

وأعرف أنكم تعرفون جَيِّدًا جِدًّا، بل وأكثر مما أعرف:

أن “الجِدَّة الشعريَّة”، وهي بعضٌ من الجِدَّة الفنّيَّة، لا يُحقِّقُها مجرَّد الخروج على مقرَّرات تقنينات “الخليل بن أحمد الفراهيدي” وتقنيات استنباطاته واستنتاجاته، كما لا يحقِّقها مجرَّد الالتزام الطقوسيّ بنصيّة تلك المقرّرات وتقديس حَرفيتها وحِرفيتها.. والاستسلام لمسلّماتها، وإنَّما تحقّقها كيمياء القدرة على كشف بصمة روح الخصوصية وانعكاس تفاعلاتها على المُعطَى الشعري.

وأعرف أنكم تعرفون جيّدا جدًّا، بل وأكثر مما أعرف:

أنّ الشعر الحقيقي لا تنتجه قصديَّة الكتابة، وإنما نتيجة دائبية التفاني – حتّى الفناء – في خدمة “ذات شروط الكتابة”.

وأعرف أنكم تعرفون جيدًا جدًّا، بل وأكثر مما أعرف:

أنّ الشاعر الحقيقي هو من صفا للشعر فَصُوفِيَ حتَّى تبادل هو والشعر تلك المناداة الصوفية:

يا أنا.

وسواءً أكان لورد بايرون – أم كان سواه – هو من يقول:

إن العبقرية: واحد في المائة منها – فقط – موهبة، والباقي (عَرَقٌ)..، فإنني، وبنفس القدر، مع المأثور العربي الذي يقول ما معناه: إنك إن أعطيت الشعرَ كلّ عمرك.. أعطاك الشعرُ نصفه، فإن أعطيته نصف عمرك أعطاك ربعه، فإن أعطيته ربع عمرك لم يعطكَ الشعرُ سوى فرمان طردك من مملكته.. وبطاقة حرمانك من شرف المواطنة في دولته: [الشعرُ صعبٌ وطويلٌ سلَّمَهُ]. (1)

إنّ “شعريّة أيّ موضوع” حقيقة جوهرية كامنة فيه، فقط إنّها في حاجة إلى الباصرة البصيرة والسريرة القديرة على الاهتداء، ثم الوصول إلى مكمنها واستخراجها ونزع صدفتها وتأهيلها وتهيئتها، وعرضها حتى لا تظلّ حبيسة قمقم الغفلة وبرزخ عدم الانتباه.

وإذا كان هناك من يتصور – خطأً – أنّ عظمة وجلال الموضوع لا بدّ وحتمًا، وبالضرورة، أن ينتج شعرًا عظيمًا وجليلا.. فإنّ الحقيقة أنّ الموضوع شيء والقدرة المبدعة شيء آخر مختلف تمامًا ومستقلّ تمامًا، ليظلّ (الموضوع العظيم والجليل بالضرورة) عظيمًا وجليلاً بحكم تلك الضرورة.. وليظل (المنتج الشعري غير العظيم وغير الجليل) ليس أكثر من سياحة في جُب الوهم وهاوية التصوّر الخادع، لتدحض، وإلى الأبد، دعوى رفض المنتج الشعرى بمستوى موضوعه.

وفي الإبداع لا يهمّ الاختلاف أو الاتفاق في الأيديولوجيات والمذاهب.. وإنما المهمّ هو ما يفعله الأثر الإبداعي بنا وفينا حتى وإن اختلفنا في كل ما عدا ذلك.

على أنّ هناك من يجزم أنّ هناك كلمات هي غير شعرية بذاتها، مع أنّ الكلمات ما دامت بين دفّتي المعاجم فإنها جِدّ سواسية/ مجرد خامة جِدّ غُفل، حتّى إذا أتى التوظيف العبقري أخذت الكلمة – أيّة كلمة – شعريّتها من عبقريّة التوظيف، لا من خاصيَّةٍ ذاتيّةٍ فيها: فلا عنصريّة ولا شعوبيّة ولا شيفونية ولا أرستقراطية ولا أفضلية لكلمة على أخرى ما دامت في معاجمها الكلمات.

وإذا كانت النخلة – دون جميع أنواع النباتات – هي الكائن النباتىّ الوحيد الذي يشارك الإنسانُ والحيوانُ في أنّ كلا لا تستمرُّ حياته إذا تمّ فصل رأسه عن جسده، فإنّ القصيدة تشارك الإنسان في أنّ كلّ عضو لا بد وأن يكون في مكانه الطبيعي.. وإلا فقد اضطرب المعمار.. واختلّت الوظائف.. وشاب منظومةَ رونق البناء واتزانه ميلٌ وزيغٌ وعوارٌ وخلل: خللٌ هو نقيض هارمونيّة التكوين والكينونة واتّساقِ وانسجامِ “الوحدة العضوية” اتّساقًا وانسجامًا بدونهما يصير الإنسان والقصيدة، وكل كائن حي، مسخًا شائهًا:

(لكلٍّ مكانٌ لا يسدّ اختلاله مكانُ أخيه من جَزُوعٍ ولا جَلْد)

ولأنّ الشيء بالشيء يُذكر، فإنّ تضادّ كلمتي “جَزُوع” و”جَلْد” في بيت ابن الروميّ يحيلنا إلى تفريعات كثيرة.. لكن أهمها:

(1) إنّ وصف بعض المفردات “بالحُوشية والوحشية” يجب ألا يُحسب –دائمًا – على أنّه من النعوت الأبديّة “التي لا تزول على أيّة حال” أو أنه من الصفات الوراثية غير المتنحيّة “مهما كان الاستخدام” لأن المفردة وهي في أضابير معتقلاتها ومحابسها القاموسيّة “شيءٌ” وفي تجليات النسيج الإبداعي المتفوق “مخلوقٌ” آخر قد يكون جِدّ مستأنسٍ وأليفٍ ووديعٍ ووضيء، أي أنّ “العمليّة الإبداعيّة” قد تَرقَى فاعليتها حتى تصير “السيمياء” أو المعجزة الكيميائية التي في مقدورها أن تُحوّل وتُحيل المعادن الخسيسة إلى أخرى نفيسة، والموغلَ في الانقطاع إلى سُدّة الصدارة وزهزهة الحضور (انظر “لامية العرب” للشنفرى و”تائيته” في “أميمة” زوجه، وانظر “معلقتَيْ “امرئ القيس وطرفه.. ومعظم شعر راهب الصحراء/ ذي الرمة).

(2)

إنّ توافر الموهبة شرط أساسيّ في إجراء أيّ عمليّة إبداعيّة ناجحة، وبخاصة الإبداع الشعري، غير أن توافر ذلك الشرط وحده، وبمفرده، لا يكفي لتأسيس معمار شعريّ صحيّ وصحيح، إذ الموهبة، وكما أسلفنا، لا تتعدى كونها عنصرًا واحدًا من مائة عنصر تجمعها وتلخّصها كلمة “عَرَق”، وعليه فإنه لا إبداع شعريًّا عظيمًا إلا لمن اغترف بيديه من نهر عظيم ترفده المائة رافد مجتمعة وفياضة (استنادًا إلى قانوني “الإعمال والإهمال” و”إنّ الفارغ لا يعطي”).

(3)

إن القبض على جمرة الموهبة، والوفاء بمتطلباتها – دائمًا وأبدًا- هما الوسيلة المُثلى لاستبقاء الموهبة متوهجة وفعالة وممتلئة بدافق وفائق ماء الشعر، إذ الوسطيّة في الإبداع تعني أنّه لا إبداع، وإذ المسألة ليست أن نقول، وإنّما المسألة أن نكون أو لا نكون.

(4)

إنّ للموهبة لِداتٍ وأترابًا لا غَناء لها عنهن.. ولا حياة لها بدونهن:

الجديّة، الإخلاص، المثابرة، التفانى، الحلم، والكتاب.. وأعني بالكتاب كل منتج فنيّ ومعرفيّ مقروء أو مسموع أو مرئي، فإن الفروقات لهائلة ومهولة بين الموهبة الغفل والموهبة ذات الدُّربة والحُنكة والامتلاء (ليظل الكتاب المطبعي – رغم أهمية خدمات تكنولوجيا الاتصالات – هو مصدر المتعة الحقيقية لكل قراءة حقيقية).

(5)

إنّ كون الإبداع تجربة فردية لا يلغي أن المبدع ليس نبتًا شيطانيًّا، ولا كائنًا طفرويًا يتخلّق من اللاشيء.. أو من أمشاج العدم.. واقتران الفراغ بالفراغ.

والتفرُّد لا يعني الانبتات، وقتل الآباء، والقطيعة المعرفيّة، ونفي عمليّة التأثير والتأثر، ونكران فضل السابق على اللاحق [حتى وإن أتى الأخير زمانه بما لم تستطعه الأوائل] (2). فمن لا أمس له لا يوم له ولا غد، وفرق بين “لاقِطِ” جَنَى غَرسِ أبويه و”اللقيط”.. ولأن لَقَطَ المعدِنِ هو ما يوجد فيه من ذرات الذهب فإنه من المستحيل عادةً وعقلاً ونقلاً أن يوجد محمول مهما كان نفيسًا دون أن يكون هناك حامل له نفيسًا كان أم غير نفيس.

(6)

إنّ الأُخوَّة – بل التوأمة – بين كلّ الفنون حقيقة لا يجحدها إلا مُكابر أو مُغرضٌ، أو مُصابٌ بعشا الإدراك والمدارك وقصور الذائقة، أو مريض بالتعصب، أو مبتلٍ بمحدودية الأفق وضيق الفطرة  وقصور النظر واعتلال المعرفة.

(7)

إنّ القصيدة لتُباهي أنّها خلاصة عصائر كل الفنون، وأنّها بوتقة كلّ المعارف، وأنّها شرنقة الكلّ في واحد.

شاهد أيضاً

محمد فايد

جذور الشر .. محمد فايد

  ليس في ما يخرج من يد الخالق إلا الخير، ويفسد كل شيء بين أيدي …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية