الشاعر الكبير محمد الشهاوي يكتب: كلماتٌ ليست هي الأخيرة (2)

محمد الشهاوي

(8)

إنّ العلاقة بين الشعر وأشقائه – في منظومة الفنون الجميلة – ليست علاقة تكامليّة فقط ولا تقابليّة فقط، ولا جدليّة فقط. وإنّما هي – علاوة على كل ذلك – علاقة الدم وإن تنوّعت الأدوات، وتعدّدت الخامات، واختلفت الأشكال والأنواع والأسماء.

لقد كنتُ قبل اليوم أنكر صاحبي

إذا لم يكن ديني إلى دينه داني

و قد صار قلبي قابلا كلَّ صـورةٍ

فمرعى لغزلان، ودَيْرٌ لرهبان

أدينُ بدين الحبّ أنَّى توجهتْ

ركائبه فالحبّ ديني وإيماني

 

(9)

إنّ مصطلحات “قصيدة راقصة” أو “شادية” أو “ممسرحة” أو “مرئيّة”.. الخ.. ليست افتعالاً أو اختلاقًا، كما أنّها ليست من قبيل المزايدة أو تحميل الأشياء ما ليس في وسعها، بل وإنّها ليست رصفًا مجازيًّا: ما دامت هناك قريحة تؤاخي – في فعلها الشعري – بين القصيدة ومرايا وحدة التجليّات.

 

(10)

إنّ (الرسم بالكلمات) ومزاولة فــنون (البورتريه) و(البروفيل) و(الكاريكاتير)، وتصميم وتنفيذ (اللوحات التشكيلية)، واستلهام (الألوان)، واستيحاء مقومات فنّ النحت والتجسيم والتجسيد، والتعبير بالحركة والإيماء والإشارة والصمت (البانتوميم)، و”الصوّر” و”اللقطات” الخاطفة، و”الفلاش باك”.. وكلّ تجلّيات إمكانات “عين الكاميرا” والسينما وحِرفياتيهما (من قبل حتى أن تُستحدث الكاميرا والسينما.. صامتة وناطقة)، ثم تنفيذ كلّ ذلك بأدوات الشعر وخاماته: منعطفات ومعطيات يعرفها أدبنا وشعرنا العربي في شتّى عصورهما معرفةَ ممارسةٍ، ولا أراني مجافيًا للصواب حينما يُهيّأ لي أن عمليات “الاقتباس” و”التناص” و”التضمين” يمكن أن تنتمي إلى فنّ  “الكولاج” / القص واللصق (اللزق أو اللسق).

 

ولأنّ شهود الحال والعيان على صدق كل ما تضمّنته دعاوى كثيرين، وكثيرين، فسوف أكتفي باستدعاء بعضهم لتقديم شهاداتهم:

البحتري: في وصف إيوان كِسرى – ضمن سينيته الشهيرة – وفي هائيته المشهورة في وصف بركة:

بحسبها أنها في فضل رتبتها

تُعدّ واحدة والبحر ثانيها

كأنّما الفضّة البيضاء سائلة

من السماء تجري في مجاريها

إذا النجوم تراءت في جوانبها

ليلاً حسبت سماءً رُكِّبتْ فيها

 

عدي بن الرقاع:

وكأنّها وسط النساء أعارها

عَينيْه أحورُ من جآذر جاسمِ

وسنان أقصده النعاس فرنّقت

في عينه سِنةٌ وليس بنائمِ

 

قيس بن الخطيم:

تبدّتْ لنا كالشمس تحت غمامةٍ

بدا حاجبٌ منها وضنّت بحاجبِ

 

بشار بن برد:

قامت تراءى إذ رأتني وحدي

صدّتْ بخدٍّ وجلتْ عن خدِّ

ثمّ انثنت كالنفس المرتدِّ

 

النابغة الذبياني: في قصيدته “المتجرّدة”، حيث يصف لنا جسد أنثى متجرّدة (يقال إنّها زوجة النعمان بن المنذر).

 

الشريف الرضي:

ولقد مررت على ديارهمُ

وطلولها بيد البلى نهبُ

فوقفتُ حتّى ضجّ من لَغَبٍ

نضوى ولج بعذليَ الركبُ

وتلفَّتتْ عيني فمذ خَفِيَتْ

عنِّ الطلولُ تلفَّتَ القلبُ

 

دَوْقَلَة المَنْبِجِيّ (أو عليّ بن جبلة/ الملقّب بالعَكَوَّك):

في الداليَّة المعروفة باليتيمة (الأبيات التي تصف ما تستره ورقة التوت من المرأة).

 

ابن الرومي (في لقطاته التصويريّة ورسومه الكاريكاتيريّة):

(أ)

إنْ أنسَ لا أنسَى خبازًا مررتُ به

يدحو الرقاقة مثل اللمح بالبصر

ما بين رؤيتها في كفه كـــرةً

وبين رؤيتها كـوراء كالقمــرِ

إلا بمقدار ما تنداح دائرةٌ

في لُـجّة الماء يلقَى فيه بالحجــرِ

 

(ب)

إن كان أنفك هكذا؛ فالفيل عندك أفطسُ

وإذا جلستَ على الطريق، ولا أراك ستجلــسُ

قيل السلام عليكما فتجيب أنت ويخــرسُ

 

عمارة اليمنيّ: في رائيّته (في وصف دار بناها الملك الصالح).

 

أحمد شوقي: في “أنس الوجود”:

أيُها المنتحي بأسوان دارًا

كالثُّريَّا تريدُ أن تنقَضَّا

 

صالح الشرنوبي: في نونيَّته التي ترسم وتصوِّر الممثِّل/ الفنَّان وتُجسِّده حتَّى لَتراه عينُ الرائي ماثلاً يمارس دوره فنَّانًا وإنسانًا، على أنَّ أهم بورتريه شعري رسمه شاعرٌ لنفسه هو المقطع الثاني من قصيدة المواكب (أو الوجوديّة) للشرنوبيّ، وها هو ذا لتشاهده العين:

جبينٌ كصحراءَ مجهولةٍ

مشى الصمتُ في جوفها حالما

وعينان تستغرقان الوجودَ

سجا الليـل فوق جفونيهما

إلهيتانِ.. وشيطانتانِ

تغشَّاهما ما تغشَّاهما

وبينهما تجثم الكبرياءُ

على جـدولٍ يُسكِرُ العالما

سماتٌ بهنَّ يهيمُ الخيالُ

يُمجّد فنَّانها الأعظما

 

نور الدين أبو الحسن المعروف بأبي سعيد:

كأنّما النهر صفحة كُتبتْ

أسطرُها والنسيم يُنشئُها

لمَّا أبانتْ عن حسن منظرها

مالتْ عليها الغصون تقرؤها

 

أبو نُوَاس:

ركبٌ تَساقَـوْا على الأكْـوارِ بَيْـنَهُمُ

كأسَ الكرَى، فانْتشَى المسقيّ والساقي

كأنّ أرْؤسَهُـمْ والنّـوْمُ واضِعُهـا

على المناكبِ لم تُخلق بأعْـناقِ

ساروا فلم يقطعوا عهدًا لراحلةٍ

حتى أناخُــوا إليْكُمْ بعد أشواقِ

من كـلّ مائـلـة ِالطرفينِ، جائلةٍ

مشْتاقَـةٍ حملت أوصال مشتاقِ

 

حمدونة الأندلسيّة:

وقانا لفحةَ الرمضاء وادٍ

سقاه مضـاعف الغيث العميمِ

نزلنا دَوْحهُ فحنا علينا

حُنُوَّ المرضعات على الفطيمِ

وأرشفنـا على ظمأٍ زلالا

ألذّ من المدامةِ للنـديمِ

يصدّ الشمس أنّى واجهتنـا

فيحجبها ويأذن للنسيمِ

يروع حصاه حالية العذارى

فتلمس جانب العقد النظيم

 

طرفة بن العبد: في وصف ناقته من داليَّته المعلّقة والتي يبدؤها ببيته التشكيلي المدهش:

لميَّةَ أطلالٌ ببرقة ثهمدِ

تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليدِ

 

بشارة الخوري: الأخطل الصغير في قصيدته الجميلة (هند وأمّها)، وفي قصيدته:

رَضِيَتْ وَقَدْ ذَهَبَ الجَفـا

وَكَذا الهَوى لينٌ وَشِــدّهْ

وَتَبَسَّمَتْ فَعَلِمْــــتُ أنْ

عادَتْ لَنـا تِلْكَ المَوَدَّه

وَرَمى الهَـوى بي فَارْتَمَيـ

تُ وَكانَ نَهْداها المخَـــدَّه

فَأنا بِصَدْرِ حَـبـيـبَتي

كَــفَراشَةٍ فـي قَلــْبِ وَرْدَه

 

الشنفري:

لقد أعجبتني لا سقوطا قناعُها

إذا ما مشــتْ.. ولا بذات تلفُّــتِ

كأن لها في الأرض نِسْيًا تقصهُ

إذا ما مشـتْ، وإن تكـلمـكَ تبـلـتِ

فدقَّت، وجلَّت، واسْبَكَرَّت، وأكملت

فلو جنَّ إنسانٌ من الحسن جُنَّتِ

 

الحارث بن حلزة:

أراعي نجوم الليل وهي كأنَّها

قوارير فيها زئبقٌ يترجرج

 

معروف الرصافي: (في قصيدته الأرملة المرضع):

لقيتـها ليتني ما كنت ألقـاها

تمشي وقد أثقل الإملاق ممشاها

أثوابها رثَّة والرِّجل حافيةٌ

والدمع تذرفه كالسـيل عيناها

تمشي وتحمل باليسرى وليدتها

حملًا على الصدر مدموعًا بيمناها

 

عباس بن مرداس: (في وصف جواده):

مرَّ كلمح البرق، سام ناظرُهْ

تسبحُ أولاهُ، ويطفو آخِرُهْ

فما تمسُّ الأرضَ منه حافرُهْ

 

محمد بن أحمد بن رشيد:

مريضة كرِّ الطيف مجدولة الحشا

بعيدةُ مهوى القُرطِ، يشبههـا البدرُ

لها نظرٌ يَسبي القلـوبَ بحُسـنُهُ

هو السحر في الأوهام، أو دونه السحرُ

 

سيف الدولة الحمدانيّ:

وساقٍ صبيحٍ للصبوح دعوته

فقــام وفي أجفـانه سِنةُ الغُمضِ

يطوف بكاسات العقار كأنجمٍ

فمن بين منقــضٍّ علينا ومُنفضِّ

وقد نشرت أيدي الجنوب مطارفــــــ

ـا على الجو دكناً والحواشي على الأرضِ

يُطرِّزها قوس السحاب بأحمـرٍ

على أصفرٍ في أخــضرٍ إثر مُبيَضِّ

كأذيال خوذٍ أقبلت في غـلائلٍ

مصبغةٍ والبـعض أقـصر من بعضِ

 

إبراهيم بن خفاجة الأندلسي:

وأَسْوَدَ يسبحُ في لُجَّةٍ

لا تكتم الحصباءَ غدرانُها

كأنَّها في شكلها مقلة

وذلك الأسـودُ إنسانُها

 

أبو الطمحان القيني:

حنتني حانياتُ الدهر حتّى

كأنِّي خاتلٌ يدنو لصيدِ

قصير الخطو يحسب من رآني

ولست مقيَّدًا أني بقيدِ

 

محيي الدين بن العربي:

ذبتُ اشتياقًا ووجدًا في محبَّتكم

فآهِ من طول شوقي.. آهِ من كمدي!

يدي وضعت على قلبي مخافة أنْ

ينشقُّ صـدري لمَّا خانني جلدي

ما زال يرفعها – طورًا – ويخفضها

حتَّى وضعتُ يدي الأخرى على كَبِدي

 

أبو الطيِّب المتنبّي:

كشَفَتْ ثلاثَ زوائدٍ من شَعرها

في ليلةٍ صارت ليـاليَ أربعَا

واستقبلَتْ قمرَ السماءِ بوجهها

فأرَتْنِيَ القمَرَين في وقتٍ معا

 

ابن الزقَّاق:

ألَمَّتْ فباتِ الليلُ – من قِصَرٍ بها-

يطيرُ، ولا غير السرورِ جناحُ

على عاتقي من ساعديها حمائلُ

وفي خصرها من ساعديَّ وشاحُ

 

إنَّ كلّ ما أَورَدَهُ، وقدّمه، وأتى وألقى به – أعلاه – أولئك الشهود من حيثيَّات وحُجج وأدِلَّة وبراهينَ عمليَّةٍ: قليلٌ من كثيرٍ، ونزرٌ يسيرٌ من جمٍّ غفيرٍ ووفير.. مجرّد نماذج.. بعض أمثلة وشواهد.. قطرات من لُجِّيّ بحرٍ زاخر.. “موتيفات” من “كتالوج” ضخم.. شذرات.. قبسات.. إيماءات.

لذا فإنّ استقراءَ واستقصاءَ، ورصدَ وحصرَ كاملِ وتامِّ ما قد استحدثته وأحدثته مغناطيسيّة الفاعليَّة الشعريَّة في هذا المجال، وذلك المضمار/ المدار فلربّما تفي بمسؤوليّاته دراسةَ تفرغ توجُّهها، وتُسخِّر مشبوب إمكاناتها لتعضيد شواهد تلك القضيّة/ الغزيرة الحيثيّات والمستندات وشهود العِيان.. حتَّى يستقرَّ في ضمير من يعنيه الأمر أريحيَّة يقين الإقتناع، وعدالة الإقناع.

شاهد أيضاً

محمد فايد

جذور الشر .. محمد فايد

  ليس في ما يخرج من يد الخالق إلا الخير، ويفسد كل شيء بين أيدي …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية