السندباد .. أحمد إسماعيل

أحمد إسماعيل

 

على أطراف بغداد الرشيد، في بيت من بيوت الحرافيش، وقع رجل على امرأة، بعد أن سند قلبه بمرق وكوارع، تفَضَّل بها تاجر في عقيقة ولده الأول.

في أحشاء بطن يابسة، لأم فقيرة، دبّت الروح فجأة في السندباد، وقبل أن تتم الوديعة شهرها السابع، وقف جماعة من العسكر عند باب حارة الجرابيع، التي نمت على أطراف المدينة، قرب أكوام الفضلات والرمم. ألقوا جثة في الطريق. نادوا في الناس: هذا جزاء اللصوص.

بعد أن قطعت القابلة الحبل الملفوف حول عنق الطفل، مسحت جسمه الضئيل المرعوش بخرقة دافئة بللتها بماء ساخن وعصرتها. قالت للأم: أبشري، ذكر يعوّضك غياب رجلك.

لم تخبر الأم ابنها كيف مات والده، لكنه عرف في أول شجار دَبّ بينه وبين أقرانه. يكفي الرجل منَّا خناقة واحدة غير مقصودة ليعرف ما خبأه عنه أهله طوال سنين.

«يا ابن حرامي الغنم»، هذا ما جلده به أقرانه. كسروا عينه، انطفأت روحه. اعتزلهم. كره الشوارع. تحاشى النهار، وألف الليل. صاحب الكهوف المسكونة بالعفاريت، وعندما ماتت أمه بعد أن طرشت الدم ليلة كاملة، خلع عنه مسقط رأسه، وفرّ إلى قلب بغداد.

ساقه الجوع إلى كنف التجار، يهشونه كما الذباب، أو يتسلون به في عصرية يوم هادئ ممل. تعلم الرقص مثل الغجر، وحفظ النكات الفاحشة وأجاد إلقاءها، وعرف طريق الخبص والوشاية، كان يخبر عن عامل دس جوزة طيب في كُمِّه، أو سرق لحسة من بلاص العسل في غفلة من صاحب الدكان.

عشق ابنة تاجر كبير، رآها مَرّة عندما أرسله والدها إليها بقرطاس من الحلاوة الشعر التي تحبها. أصابعها التي انبعجت من طراوتها على أصابعه الدقيقة اليابسة لحظة تناول القرطاس ذهبت بعقله.. لمعة أسنانها، وانسياب عنقها، واسترسال شعرها، وانحناءات عودها اللين، قتلوه شر عشقة.

قبل أن يهيم بها كان يظن أن بغداد بغير سماء، وأن نجومها راحت في غارة جياع سلبت المدينة زينتها. أنفه لم تسكر من قبل بعبير الورود التي تطل برأسها خلسة من بين أسنان سور حديقة ثري أو وجيه. أصابه الهزال، وتقلص جلده، وعصر عظام هيكله الصغير.

عندما أوشى به عامل عند سيده، وأخبره بعشق السندباد لابنته، هجم عليه العبيد والعمال في قلب المدينة، طبعوا على قفاه أخماسًا كثيرة رجَّت عقله، ركلوه وصفعوه وعبثوا بجسده، وسحبوه في شوارع المدينة عاريًا، وألقوا به للصغار يزفونه.

كان السندباد يجري من ملاحقيه، يكاد قلبه ينفجر، ودمه الذي فار تجمع في فجوة نافوخه ضاغطًا على قشرتها فأذهب بصره. كان يجر ساقيه اللتين خارتا كما جسده وقلبه وعقله وروحه، لكن مثله لا يعرف الراحة. تعوفه الحياة، وتتلذذ بإهانته.

فَرّ السنبدباد من بغداد إلى البصرة جنوبًا. تسكع في موانيها، عمل شيَّالًا فترة، ثم عرف طريق البوظة والحشيش.

رَقّ قلب تاجر له عندما وجده في طريق عودته من المسجد فجرًا ممدًا قرب دكان حداد، يَشُرُّ الدم من معصمه الأيسر بعد أن غرس فيه شظية حامية.

قبل عشرين عامًا حرم الله تاجرًا من خصوبته حتى يرق قلبه أمس للشريد الغريب. أكرمه ونعمه. وذاق جسده لسعة الماء الساخن لأول مرة في عمره. لانت أحشاؤه بالأكل الرطب للمرة الأولى، وطحنت ضروسه الفاكهة والحلوى. وعندما استضاف سيده تاجرًا أجنبيًا، وذكر الرشيد في حديثه بسوء، وشى به عند مقدم الشرطة.

سحل الجنود التاجرين، قبل أن يدفناهما في سجن لم يخرج منه إنس ولا جن من قبل.

قال السندباد لمقدم الشرطة: لو اختلست ثروته لقال الناس إنك فعلت ما فعلت لا حمية للرشيد، ولكن طمعًا في ماله. قل للناس إن الرجل أوصى لي بتجارته، واجعلني عليها أمينًا وفي النهاية أنا خادمك وملكك.

بعد أسبوعٍ قُتِل مقدم الشرطة بسهم مسموم. وبين يدي المقدم الجديد جلس السندباد يشعل نار الخوف والغضب: فعلها التجار انتقامًا لصديقهم.

ألقى الجنود بضائع التجار في مياه الخليج قبل أن تصل إلى ميناء البصرة. سحلوا صغارهم، وأهانوا كبارهم، وفي هذه الأثناء كبرت تجارة سندباد وكانت محرمة على قطاع الطرق، أو النيران الليلية المجهولة، التي تأكل الحوانيت والمخازن تأديبًا لأصحابها.

بعد عشر سنوات أصبح السندباد شيخ تجار البصرة، زوّروا له الانتخابات، أزاحوا منافسيه، وأصبح من المقربين عند الرشيد. وشايته تُطيح بوزير، وترفع حقير في غمضة عين.

مَدّ الولائم للحرافيش. نشر الهدايا بين الكبار. دفع للحكَّائين واشترى ذمم الشعراء، والقضاة.

مدحوا أخلاقه وخلقته، ونسجوا الأساطير حول ثروته. وهدهد الحرافيش حكاياته ومغامراته. رفعوه إلى عتبة النبوَّة. وعندما ذبح لصوص تاجرًا وسرقوا زوجته وألقوها عند قدميه، انتصب منتشيًا بنفسه. تلذذ بتمزيق سترها، وغرس أسنانه وأصابعه في لحمها الطريّ. أهانها كما أهانه خدم والدها قبل سنوات. أطفأ شعلة روحها بمائه العطن.

وعندما تجرَّأ رجل في المدينة على الخوض في سيرة السندباد، وأصله المبتور، تخَطَّف الحرافيش لحمه وعظامه في لمح البصر.

وكلما أولم السندباد، وكلما أرسل الهدايا، طارت رأسٌ هنا، واختفت امرأة هناك، واحترق حانوت، ونُهِب دكان. وكتب شاعر قصيدة، وشطح حكَّاءٌ بحكاية.

شاهد أيضاً

قيس عبد المغني

أؤدي في سبيل الحب صلاة وأغنية .. قيس عبد المغني

  وحين تصل إلى قبرك بسلام سيسألك كبار الموت عن سر مجيئك الباكر قل لهم: …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية