السكون والبحر .. نادية شكري

نادية شكري

 

تعرف نفسها جيدًا، تصبر وتحتمل هي، نعم لكن ليس للأبد.

تتخذ قرارها الأثير الآن دون طيف ندم.. أمسكت بورقة وكتبت قائمة بالباقي من الأشياء التي عليها شراؤها لشقتها الخاصة، في مدينتها الآثرة معشوقتها الساحلية.. تفخر الآن برؤيتها نتيجة صبرها، وجدية قرارها.

في الصباح الباكر تحتضنها شوارع، ومحلات تنتقي وتشتري منها ما ينقصها وتعود محملة فرحة كل مساء.

في اليوم الموعود ذاك، كتبت له رسالة تقايضه بحريتها بما يطلبه من مقابل أيًا كان.. تتناوشها بعض الذكريات فتملأ كفها بحفان من الرمل تنثره إلى الأعلى، وكأنها تشوش على تلك الذاكرة.. ترفض أي ذكرى قست عليها حتى لو فقدت في سبيل ذلك الذاكرة، كل الذاكرة.

تحدث نفسها «الرؤية أهم الأشياء الآن.. لمس المواقف.. الإحساس بها عميقًا في دواخلنا.. لن أفعل ما يريده مني الآخر أو حتى الواقع.. لن أتعامى كالسابق عن راحتي وأشواقي.. وأخرج غير آسفة من دوائر احتراف التأجيل اللعينة.. لا شيء قادر الآن على اغتيال مشاعري».

أمامها البحر الآن، يفخر بامتداداته المهيبة.. تتهادى جماعات من النوارس شاهقة البياض، أعلى بساطه التركوازي، اللامحدود، في دوائر عالية وكأنها تنقر الغيمات.. الغيمات الحبلى بزخات المطر تستعجله كي أغتسل، تحلق وتهبط كي تحقق للطفلة الجالسة تحتها فرصتها في أن تلهو تحت المطر.

ألقت بزوجي الحذاء بطول يديها، وكأنها سنواتها العجاف الماضية، قرص الشمس لطيف، يتدلى ثريا غنيًا بالدفء البرتقالي، منافسة في مشهد سيريالي يخلق الانسجام ويؤكد التناغم، مشهد تعشقه دومًا، تنتظره دومًا، بذهن صاف.. مشهد محبب يمحو تغضنات الروح، يرسم فوق شفاهها الابتسام .

كل الأشياء، حتى الزمن والوقت، كانت مجمدة بلا روح، بلا حراك، تتوه داخل شرنقته الرمادية الكئيبة حتى كادت تخنقها.. الآن لعقت جراحها وتعودت حواسها على الاستقبال الواضح الجيد المسموع لسكون البحر.

شاهد أيضاً

سيد أبو ليلة

العزا .. سيد أبو ليلة

  مشهد مسرحي رجلان يجلسان في سرادق للعزاء.. والصمت يعم – هي الساعة كام؟ = …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية