الساعة الأخيرة لسفيان رجب .. استبرق العايدي

 

كتب دان براون في كتابه شفرة دافنشي أنّ لوحة ليوناردو دافنشي ” العشاء الأخير” L’Ultima Cena تحتوي مجموعة من الرموز، التي أخذ في كشفها تباعًا بعد الغوص العميق في دلالاتها وتحليلها تاريخيًا وسياسيًا وانثروبولوجيَا، هكذا فعل بالضبط “سفيان رجب” في مجموعته القصصية” الساعة الأخيرة”، وضع الجروح أمامك مباشرة على الحائط، وعليك أن تحشر أصابعك عميقًا في الألوان كي تعرف مكمن الداء وترمّم اللوحة.

لم يتغيّر أسلوبه في الكتابة بين” القرد الليبرالي” و “الساعة الأخيرة”، ووثق في المتلقي ولم يطنب في وصف أشياء بديهية، عوّل على ذكاء القارئ ليستعمل الكيّ والحرارة ليظهّر الكلمات ويكشف عن الحبر السري الذي كتب به النص.

تحدث أيضًا عن التابوهات بلا أقنعة ولا ابتذال، عن علاقة الإنسان بالجسد بين النكران والخجل والتواجد بقوة، عن الاستمناء والصور المخزّنة في الذاكرة التي ترافق هذه الممارسة السرية، عن النيكروفيليا والزووفيليا، لم يُبدِ أي موقف، ترك للمتلقي الحرية في تقييم هته الظواهر في المجتمع.

تحدث عن فلسفة الوجود والعدم والإنية والغيرية، ومن أنا بالنسبة للأنا والهو والهم والنحن؟

تحدث عن ظاهرة الهجرة اللانظامية للأفارقة الذين يعبرون إلى ليبيا.. أين يجدون صيادي اللحوم البشرية ينهشون كرامتهم، وإذا صادف أن هرب أحدهم يجد البحر أمامه؛ فيلقي بنفسه هربًا من الوحوش الآدمية، ويلحق بحلمه في العيش بمدينة أوروبية.

عن شخص وجد الحب أمامه بين يدي “مومس” عشقها، ولكن رغم ذلك تركها عندما التجأت إليه فزعة من السلفيين الذين هجموا على الماخور، وقد دعاها أحدهم أن ترافقه إلى سوريا للجهاد كي تتوب ويغفر الله لها، ولما استفاق من غفلته لم يجدها، ولكنها خلّفت من بقايا ذكراها ببغاء عجوزًا، حمله إلى الجامع معه فوجد السلفيين قد غزوه، وكان الببغاء يردّد كلمة واحدة وهي ” يا وِلد القحبة”، وقد ثأر لصاحبتهم ممّن ابتُليت بهم تونس، جماعة “دومان الإسلام إللي يفرقعوا في الناس ويجاهدوا بالدم والنكاح”

في السياسة لم يكن سفيان رجب رحيمًا، أعتقد أنه لوّن هذا الجزء بالذات بالأسود والأحمر، في تلاطخهما كوّنا شكلاً غريبًا كهذا النص، عميقًا ومخيفًا كحال البلاد، لطخات كتخبط السياسيين والانتهازيين، ودائرة جوفاء هي انتماء البعض ممّن يحملون جنسية هذا الوطن.

 

غلاف الساعة الأخيرة

***

* تونس.

شاهد أيضاً

حسن شويري

الكتابة الزجلية وسؤال المعنى عند محمد لمسيح .. حسن شويري

ديوان «بوكو كلام» نموذجًا تعد الكتابة الزجلية نافذة من نوافذ النظر إلى نثرات الواقع وتشظيه، …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية