الساعة الأخيرة .. ساعة الحساب والحصاد .. علي داود

 

سامية عاطف

الساعة الأخيرة هى ساعة الحساب.. فماذا عن الساعة الأخيرة فى حياة الكولونيل؟! حيث حساب وحصاد ما فات من حياته.

فى هذه الساعة صار وحيداً يحتفل بعيد ميلاده، بعد أن تركته زوجته آخذة معها ابنهما، كما نبذه جميع الجيران، ما عدا جاره وصديقه “سام”، الذى ما زال يراه بطلاً قومياً، لا يستحق أن يعيش وحيداً، بعد أن كان ملء السمع والبصر، وصورته على أغلفة المجلات.. ووضعوا له تمثالاً فى ميدان داخل مدينته التى يعيش فيها، ذلك التمثال الذى نبذوه كما نُبذ هو، فلم يتحملوا رؤيته فى الميدان، فأخذه إلى حديقة منزله، فلم تتحمل مشاعر الجيران المُرهفة رؤية تمثاله وما يحمله من تاريخ، كان نضالاً ثم صار عاراً.. فأخذه إلى داخل داره.. فصار أنيسه الوحيد فى هذه الحياة، ورفيقه الأوحد فى ساعته الأخيرة.

يتذكر أهم حدث فى حياته وحياة أمريكا، الحدث الذى أصبح رمزاً لبطولته وقوته ـ كما هو رمز لبطولة وقوة أمريكا فى الحرب العالمية الثاني ـ لكنه مع ذلك، فى مفارقة تراجيدية، صار أيضاً هو سر بؤسه وشقائه الدائم، كما أصبح أيضاً لحظة عار لأمريكا تنكس بسببه الأعلام كل عام فى نفس الموعد، لكنها فى حقيقة الأمر غير نادمة على ذلك.. فانفجار القنبلة ساهم بقوة في أن تصبح أمريكا قوى عظمى لا تغرب عنها الشمس، كما كانت بريطانيا من قبل.. لكن لأن الأمم الحضارية تقوم دائماً من تحت رماد الهزيمة، وتستمد قوتها من عراقة وجودها، وتنتصر لمجدها ومستقبل شعبها.. فكذلك فعلت اليابان.. وكأنها رسالة إلى كل الشعوب العريقة التى تعانى من الانهزامية الآن (العراق ـ سوريا ـ مصر ـ اليمن) أن تنتصر لماضيها العريق، وتهب لمستقبل أفضل يستحقه تاريخ شعوبها.

 

التمثيل:

كثيراً ما قرأنا عن مباراة فى التمثيل بين أبطال عمل ما، فى الساعة الأخيرة، نرى تناغما وانسجاما أكثر منه مبارزة فى الأداء.. تشعر وكأن كل ممثل يستحق دوره والمساحة التى أتيحت له.. بل هناك بعض الممثلين أجادوا رغم قصر الدور، ومحدودية مساحة الحركة.

سامية عاطف

حتى نأتى إلى دور سامية عاطف (الفتاة اليابانية الكفيفة) التى استطاعت أن تعبر عن كل مشاعر الشخصية باقتدار، تدفعك لأن تصفق لها كلما رأيتها.. مساحة صغيرة تحمل الكثير من تنويعات المشاعر، فهى الفتاة الكفيفة الحالمة، التى تصف لنا بمشاعرها تلك الأصوات الجميلة التى اعتادت عليها كل صباح.. والتى لم يعد لها وجود بعد ذلك الضوء الأبيض الذى ظنته أملاً فكان كابوساً.. وصدمتها العميقة فى الكولونيل.. الذى اعتقدت أنه الملاك الحارس، لتفاجأ بأنه شيطان جاء يحمل الدمار لشعبها وأرضها.. لتتنبأ له بأن اليابان سوف تقوم مرة أخرى.. وسوف تغزوهم فى المستقبل، ليس بقوة السلاح، ولكن بقوة عقول أبنائها.

وإذا أتينا إلى بطل هذا العرض الذى يحمل على كتفه لواء نجاحه، الفنان شريف صبحى، الذى أعاد المخرج ناصر عبد المنعم اكتشاف قدراته مرة أخرى.. وتبرز تلك القدرات فى المونولوجات الطويلة التى تحمل كماً هائلاً من المشاعر المختلفة والمختلطة ـ وإن كنت أرى أن بعضها كان يحتاج إلى التكثيف للحفاظ على الإيقاع ما بين مونولوجاته والديالوجات الأخرى التى تتسم بالحيوية والتدفق ـ وقد بذل مجهوداً كبيراً فى الحفاظ على حيوية الإيقاع بصدق وقوة أدائه.. واجتهد ألا تتحول هذه المونولوجات إلى فجوة داخل إيقاع العرض ككل، وهو ما نجح فيه باقتدار.

شريف صبحي

بل وتبرز قدراته أكثر فى تلك اللحظات الساكنة التى ينزوى فيها على كرسيه الهزاز، متذكراً تلك الشخصيات الماضوية خلف شاشة الذكريات البيضاء، فهم من شكلوا حياته ومأساته، يتحدثون عنه فنرى فى عينيه، وعلى قسمات وجهه، تأثير ما يقولونه.. وهو ما تتيحه قاعة الغد الصغيرة، حيث حميمية القرب من أداء الممثلين.. ورؤية تعبيرات وجوههم، والشعور بنبضات قلوبهم، ولمعة الدمع فى عيونهم.

 

الإخراج:

إن اسم المخرج الكبير ناصر عبد المنعم على بوستر مسرحية يدفع الوسط المسرحى والثقافى إلى متابعتها، فتاريخه المسرحى يشهد بأعمال صارت علامات فى تاريخنا المسرحى، تجمع ما بين المتعة والثقافة والرسالة المهمة، وفى رسالة غير مباشرة إلى المخرجين والقائمين على الحركة المسرحية فى مصر، فنص مسرحية الساعة الأخيرة فاز بجائزة أفضل نص مسرحى فى مسابقة ساويرس الثقافية لعام 2017م بعنوان (الساعة الأخيرة فى حياة الكولونيل)، وهو ما قام به من قبل ناصر عبد المنعم عندما أخرج مسرحية “ليل الجنوب” عن نص الجنوبى لشاذلى فرح، والذى فاز بجائزة توفيق الحكيم للتأليف المسرحى، والتى أقامها المركز القومى للمسرح عام 2011م.. ليؤكد بذلك أهمية المسابقات المسرحية فى إيجاد نصوص جديدة وجيدة تنعش الحركة المسرحية، وتساعد فى إبراز موهبة كتّاب جدد، حيث يشتكى المخرجون دائماً من عدم وجود نصوص جديدة جيدة، فهذه المسابقات تحتاج إلى رعاية واهتمام، وليس مجرد جهد فردى من المخرج ناصر عبد المنعم حتى تتحول إلى رافد مهم للحركة المسرحية، خاصة دعم ومساندة البيت الفنى للمسرح، وهيئة قصور الثقافة.

ناصر عبد المنعم

وأهم ما يميز إخراج ناصر عبد المنعم وأحد أهم أدواته، الطاقات الفنية التى يستخرجها من الممثلين.. فالممثل تحت يديه كأننا نراه لأول مرة.. فهو لا يطالب الممثل بأن يؤدى الشخصية كما يراها هو كمخرج؛ بل يتركز اهتمامه على أن يشعر الممثل بالدور ويتفهمه؛ فيؤديه بما يمتلكه هو من قدرات ومواهب ومشاعر خاصة، ومن هنا يكتسب الدور روح الممثل، فتشعر كأن الدور كُتب خصيصاً له.

ونلاحظ فى هذه المسرحية أنها تمتد لأكثر من ساعة ونصف دون تغيير ديكور، ومع ذلك استطاع أن يغير من المكان والزمان، باستخدام الستائر البيضاء الشفافة.. كما لو كانت تجسيداً للحالة الضبابية التى تصاحب دائماً ذكريات الكهولة، خاصة لو كانت ذكريات مؤلمة نفسياً، وفى نفس الوقت وظفها كشاشة سينمائية، تستعرض لقطات تسجيلية عن الحرب العالمية الثانية، كما تستعرض لمحات عن حياته أو ما يدور بخلده، واستخدم الإضاءة فى تغيير أماكن الأحداث داخل قاعة العرض، والتعبير عن المشاعر الداخلية للشخصيات.. كما وظف الديكور فى إيضاح العلاقات السلطوية بين الشخصيات من حيث اختلاف المستويات ومناطق التمثيل.

 

بيانات العرض:

تأليف: عيسى جمال الدين، وهو أول عرض مسرحى له على خشبات مسرح الدولة، والجميع يتنبأ له بمستقبل كبير على مستوى الكتابة والموضوعات التى يطرحها.

إخراج: الفنان القدير ناصر عبد المنعم.

إنتاج: فرقة الغد المسرحية ـ البيت الفنى للمسرح.

مدير الفرقة: الفنان القدير سامح مجاهد.

موسم: 2017/2018.

تمثيل: شريف صبحى ـ سامية عاطف ـ محمد دياب ـ معتز السويفى ـ نورهان أبو سريع ـ محمد حسيب ـ نائل على ـ محمود الزيات.

إعداد موسيقى: أحمد حامد.

ديكور وملابس: محمد هاشم.

* باحث وناقد مسرحي.

شاهد أيضاً

هفاف ميهوب

رواية البحث عن حب قديم بحرفٍ ونقطةٍ وزمنٍ مضى .. هفاف ميهوب

  (امرأة بنقطة واحدة) رواية وارد بدر السالم   «كانت لعبة ممتعة تتكرّر في الحديقة.. …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية