الزنزانة .. رحاب السماحي

رحاب السماحي

الزمن هنا توقف بلا حراك كصخرة وقعت على الوادي المنحدر أسفل التلة.. فجَسَم صمتٌ ثقيلٌ على الموجودات.. ولكن سني عمرنا تمضي لاهثة تشيّع روحًا وقعت رهينة للحزن والوحدة.

أحاول أن أتماسك قليلا؛ فالسقوط رفاهية لا أقدر عليها.. يتسلل إلى جسدي المكوم المسند للحائط سنا من ضوء الشمس التي تتمهل بهدوء علّها تطلب هي الأخرى الإذن بالدخول.. أشعر بحرارة الضوء وهي تعبر خلال جسدي برشاقة وخفة وكأن جسدى صار شفافًا.. كتلة من أضواء منيرة ومعتمة.. أشعر بدفء يسري في جسدى الهش الجائع البارد، ولكنني كلما تدثرت بأشعة الشمس سلبتني إياها برودة البلاط الذي أفترشه.. برودة كأنها آتية من الجحيم لفرط قسوتها وعنفوانها.. قلبٌ قسى هو الآخر وأشاح بوجهه عني.

أحاول أن أتناسى ما أقاسيه حتى أسمح لطيفك أن يجتاح خلاياي كالطوفان.. يلفني بهالة شفيفة من الرقة والتناغم، وأرى وجهك الجميل على جدران الزنزانة الكالحة كأوراق جرائد قديمة بلا قيمة أتى الزمن عليها وأنهكها انتظار السجناء، وأصبحت مرايا لوجوه وحيدة.. أرواح شاردة حائرة لا تعرف الراحة.. وجهك الباسم، وملامحك الطيبة الحانية هي كل ما أدخره في جعبتي من تلك الحياة الرثة الباعثة على الغثيان.

تخرجني من المشهد رائحة الزنزانة العطنة.. مزيج من عرق ودموع وآهات اختبأت في الصدور وما زال عطرها عالقًا في الهواء.. وأحلام متأنقة ألقت بحالها بعد انتظار ما لا يأتي.. لم تعد هناك أحلام.. فهنا مقبرة الحلم والوعي.. هنا رحم الحكاية والأسطورة التي لن تروى، فقد استطاعت هذه الزنزانة أن تخمد بداخلي عشرات الثورات، وقد حاولت العصيان ولكني رضخت في النهاية لأوامر الموت البطيء.

أكثر ما يحزنني أنني سأموت هنا وحدي.. لا منتمى لا منتحبين لا محبين.. فقط أنا والموت.. كم تمنيت أن أجري حديثًا سطحيًا تافهًا مع أي بشري وسأعتبرها مجاملة رقيقة يرسلها لي الموت توطئة لقدومه.

أراني قد تماديت حقًا في مشاعري.. لا أعرف ماذا يعتريني.. كنت قد اعتدت كل شئ فقط صورتك هي القادره على إطلاقي بعيدًا كغيمة صغيرة خفيفة تداعب النجوم.. لم أنسَ يومًا عطرك الذي صار نبع الإلهام والوجود، يديكِ الصغيرتين كأكف سنجاب صغير وهما ينامان في راحتي بدعة وروعة كطفل برىء يتشبث بصدر أمه كي يضمن الدفء والبقاء.. هل يؤذيك أن أتذكر كل هذه اللفتات وأنا هنا في عالم القبح الردىء.. أستميحك عذرًا فقد صارت هذه الذكريات فتات أتأود بها في وحشة مقفرة ليس للمشاعر مكان فيها؛ فقط أنا والخوف والمرارة.

شاهد أيضاً

شريف عابدين

بأقل قدر من وهج  .. شريف عابدين

  تألقي.. بأقل قدر من وهج يتأجج في هدوئه المعتق منذ استرسال كاليستو كقمر رابع …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية