الرجل الرمادي .. رحاب السماحي

رحاب السماحي

 

تتقاذف الصور المضطربة في مخيلتي سريعًا، وزخات المطر المسترسلة تطلق نقرات خفيفة على الطريق المترب. أضواء السيارات تكاد تلتهم عينيَّ.. تلك الومضات اللعينة التي تحاول إقحام نفسها عنوة على المشاهد اللاهثة التي تتراءى لي من زجاج نافذة السيارة، ولكني أحاول بكل ما أملك من وعي وشغف الإمساك بتلابيب اللحظة حتى لا تمر.

أنها اللحظة التي تكلل بوجوده هناك في شارع بعينه.. أخبره جيدًا كما أخبر راحة يدي.. كلما اقتربت أكثر من ذلك الشارع تتعالى أنفاسي، تندفع الدماء ساخنة لتحرق عروقي، فأصبح كومه مشاعر متأججة في أوج  البرد.. أحاول التماسك حتى لا أتداعى وينكشف أمرى، وما إن أراه حتى يتوقف كل شيء بلا حراك.. الزمن يأبى الرحيل.. النسيم  يتجمد، وكأن يدًا قوية طرقت فجأة على جدران قلبي لدرجة أنني أشعر بألم الضربة، وكأن كل ما يحدث قد تحول خلسة، وبصورة مباغتة، إلى حدث مادي لا معنوي.. حتى قوانين الطبيعه تعجز عن وصف ما  كنت أشعر به.. كل هذا ولابد أن أبدو هادئة لا مبالية كأية فتاة مراهقة تشاهد كل شيء ولا ترى أي شيء.. تسبح في عالم من صنع الصدفة والضجر.

أحاول ألا يرى أحدٌ كم التغيرات المتلاحقه التي تعتريني، ولكن من يعبأ بكل هذا. إنه هناك يقف وسط زمرة من أصدقائه، بعوده الفارع، ووجهه المستطيل الذي يضفي قدرًا من الحزم والصلابة، ونظارته الطبيةه التي تشي بشيء من الجدية والرزانة، وإن كانت ضحكاته الساخرة مع أقرانه تحيل هذه الرزانة إلى طفولة عابثة، ورعونة وادعة.

أريد أن يتوقف الزمن عند تلك اللحظة التي يتلاقى فيها ناظرانا.. فهي بمثابة ذروة الأحداث.. رهبة غريبة تعتريني.. أحاول أن أغمض عينيَّ حتى تحتضن جفوني نظرة عينيه إلى الأبد.. أشعر أنني أتلاشى وكأن مسًا من سحر أبيض أصابني.. وفي لحظة تحيلني تلك الأحاسيس المتضاربة إلى فتاة ترقص طربًا في معبد الحياة، وتتشبث بمباهجها، حتى أنها كانت اللحظات القليلة التي لا أفكر فيها بالموت.

فأين لي به، وأين له بي.. فأنا مغرمة بوجوده وأحتضن الوجود لأجله، ولكنه ظل بالنسبة لي ذلك الرجل الرمادي؛ أعرف عنه بعض الأشياء، وتنسج حوله الأساطير والكثير من الحكايا والمغامرات المحمومة، والميلودراما السوداء.. ولأملأ هذه الثقوب في وعيي الهزيل قررت بشكل لا واعٍ إسقاط كل ما أحبه في فارس أحلامي بالمعنى الأفلاطوني عليه.. كم تمنيت أن يعاد ذلك الزمن ولكن بطفرة زماننا الرقمية، فعندها حتمًا كنت سأجد صيغة لائقة للتعارف بيننا.

أعترف أنني أتمنى أن أراه مصادفة، لا لشخصه الرمادي الذي لا أعرفه، ولكن لأستعيد ذكرى أحاسيس لن تمحى.. كم أشتاق لذلك الشعور الآسر المحمل بطزاجة البدايات.. مزيج من الفرح والألم.. الخوف والرغبة.. السماء والجحيم.. ووعي يتشكل على مهل، يترنح ثملاً تارة، ويستقيم تارة أخرى.

شاهد أيضاً

سهام محمد

وأرجع أقول ما لقيتلوش ديل .. سهام محمد

  ـ «جميلٌ، يغرِّدُ منطلقًا من غصنٍ لغصنِ، وصبيٌّ بنَبْلةٍ يُوقعَه!» يقولُ متعجبًا ـ «عَيْبٌ …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية