الرائحة .. سيومي خليل

سيومي خليل

 

ستتبعك الرائحة.

أو من الأفضل أن أبتدئ القصة ب:

ستلاحقك الرائحة .

لا تبدو كلمة تتبع أو تلاحق مناسبة. لكتابة قصة عن شخص يشم رائحة بشكل دائم عليَّ التفكير في بداية تكون جيدة. لا.. ليست بداية جيدة، البدايات لا تكون جيدة أو سيئة، إنما تكون فاجعة أو غير فاجعة. أبحث عن بداية فاجعة لشخص يشم رائحة بشكل دائم .

لأقل:

ستعيش معك الرائحة .

أظن أن كلمة «تعيش» أفضل. تعيش الرائحة مع فلان يعني أنها تأكل معه، تشرب معه، وتنام معه، وتتكلم معه، وتتمدد معه، وتضطجع معه. إن رائحة ما تعيش مع فلان: عبارة فاجعة بحق. تشبه العبارة عبارة أخرى أكثر فجاعة: وستموت معك الرائحة. حين تكفن بثوب أبيض ستكون جثة الرائحة معك، حين توضع في قبر وتُوارى الثرى سيكون ميت آخر باسم الرائحة معك.

لكن أي رائحة يمكنها أن تكون بهذه القوة لتظل دائمًا؟

إذا ما كان البطل الذي ستعيش معه الرائحة شاعرًا فلن تكون هذه الرائحة غير رائحة بيت شعري، يمكنها أن تكون رائحة قصيدة ما زالت لم تكتب، ويمكنها أن تكون رائحة البار الذي يسرق منها الصور والتشبيهات والكلمات.

أما إذا كان البطل شخصًا محبًا فلا شك أن الرائحة هي رائحة حبيبته التي وله بها حتى نحل؛ لا يهم ماذا وقع بعد ذلك؟ أنا أكتب قصة عن رائحة تعيش دائمًا، لا يهم إذا كانت قد أحبته، لا يهم إن تزوجا أم لا، لا يهم إن خانته، ولا يهم إن فتر الحب بعد عمر مديد، ما يهم أن البطل سيحمل على أنفه رائحة حبيبته.

أما إذا كان البطل مجرمًا سابقًا فإن الرائحة ستكون رائحة الجرائم التي تتشابه والتي يعرفها المجرمون بشكل خاص. أيضًا لا يهم الجريمة التي فعل، فكل الجرائم تحمل نفس الرائحة، لتكن جريمة قتل أو اغتصاب أو مجرد سرقة، لتكن اختلاسًا أو اعتداءً في جنح الليل على شيخ، لتكن جريمة عوقب من أجلها، ولتكن جريمة لم يعاقب عليها، ليشعر بعد توبة بذنب شديد، أو ليظل على عماه وقسوته؛ كل هذه الأشياء لا تهم لأن هناك رائحة واحدة سيحملها جميع مقترفي الجرائم، إنها نفس الرائحة التي تطغى على كل الروائح المادية المعروفة. كل هؤلاء الأبطال سيشمون نفس الرائحة حتى وإن كانوا يضعون عطورا ثمينة، وستدخل منخريهم نفس التركيبة الكيميائية مهما بدلوا أماكنهم ومهما أحاطتهم روائح مختلفة.

شخص تعيش معه نفس الرائحة بشكل دائم؛ لا يبدو أن في القصة ما يثير. ثم ما المعنى الذي تهدف إليه قصة تتحدث عن رائحة يشمها شخص بشكل دائم؟ لا يهم أن يكون هناك معنى محدد، إنها مجرد قصة عن رائحة تُشم بشكل دائم. الإنسان كائن روائحي، يعرف بالشم مثلما يعرف بالنظر مثلما يعرف بالسم، أحيانًا يعشق لمجرد رائحة، وأحيانًا ينجذب ككلب لرائحة، بل إن من المرضى النفسيين من مرضهم متعلق بالروائح .

إذن ليكن البطل مريضًا نفسيًا بات يشم رائحة واحدة. لا يهم سبب هذا المرض، فأمراض كثيرة تحدث دون سبب، وإذا أصررت أن يكون هناك سبب معين فلنتحدث عن القصة التالية:

سبق للبطل حين كان طفلاً رضيعًا أن شاهد المشهد التالي:

كانت والدته الجميلة تشير من النافذة لشخص ما. فجأة طرق الباب ودخل شخص غريب. بعد دقائق كان الطفل يسمع آهات تخرج من وراء غرفة النوم. ثم بعد دقائق أخرى خرج الشخص الغريب وهو يمسح عرقه. وبعد دقائق أخرى جاء والد الطفل وعليه عرق العمل .

هذا المشهد سيعطيك أي نوع من الروائح التي يمكن أن تكون في لا وعي الطفل. إذا كنت تبحث عن سبب لمرض البطل فإنك ستقول إنه هذا المشهد، لكني لا أعطيك أي ضمانة بذلك، وإذا اعتبرته أنت كذلك فإنك حتمًا ستفكر في طبيعة الرائحة التي يشمها البطل المريض والتي يحملها معه دائمًا. أنت أمام أكثر من رائحة. لنعد هذه الروائح معًا ولنفكر في أيها سيحمله البطل: هناك رائحة الأم حين أشارت لشخص ما من وراء النافذة. هناك رائحة الشخص حين دخل. هناك رائحة الأم والشخص وهما على السرير. وهناك رائحة الشخص وهو متعرق. وهناك رائحة الأب بعرق العمل. هناك ست روائح يحملها هذا المشهد. مسألة تعداد الروائح مسألة سهلة، المشكل هو أي رائحة ما زالت عالقة بذاكرة البطل والتي من الممكن أن تكون نتيجة لمرضه وسببًا فيه أيضًا.

حين تفكر في الرائحة التي ستمرض البطل ستقول إنها رائحة الأم والشخص الغريب وهما على السرير، لكن هذا ربط بسيط وساذج. أنت تعرف أن قضايا الجنس تؤلم وتُمرض وتعل، فكم من ابن انتحر لأنه شاهد أمه مع غير أبيه، وكم من فتاة تألمت لأنها رأت سيدة أخرى على سرير والدتها؛ لهذا ستظن أن الرائحة آتية من مشهد السرير، لكن هذا غير دقيق، ربما يكون دقيقًا في الواقع، لكني أخبرك أننا هنا داخل قصة، لذا سنستثني أكثر احتمال واقعي للمرض، لأنه لن يكون احتمالاً مقبولاً في القصة وهو احتمال مشهد السرير.

ماذا تبقى؟ خمس روائح أخرى من بينها رائحة الشخص الغريب. أظن أن هذه الرائحة غير مهمة أبدًا، إنها رائحة غريبة سواء كانت رائحة الشخص نفسه أو رائحته وهو متعرق بعد جولة جنس مع والدة البطل. الغريب يظل غريبًا بكل تمثلاته وروائحه، لذا سنستبعد المشاهد التي تحمل روائح الغريب.

ماذا تبقى؟ رائحتان؛ رائحة الأم وهي تشير للشخص الغريب من وراء النافذة. هل لا حظت أني أقول رائحة الأم وهي تشير ولا أقول رائحة الأم فقط؟ هناك فرق دون شك، فالمشهد ككل والذي اعتبرته سببًا في المرض النفسي للبطل يبتدئ مع هذا المشهد تحديدًا، فلولا هذه الإشارة التي قامت بها الأم لما وقع كل المشهد، لذا فإن الرائحة ستكون مختلفة تمامًا عن رائحة الأم دون هذه الإشارة. ثم هناك رائحة الأب وهو يعود من العمل متعبًا ومتعرقًا وحاملاً هموم أسرة صغيرة، وحالمًا بالوليد البطل حين يكبر أن يحمل عنه بعض هذا التعب. هناك مشهدان برائحتين متناقضتين تمامًا.

كيف ذلك؟

رائحة الأم وهي تشير لشخص غريب هي رائحة غدر وخيانة. ورائحة الأب وهو متعرق هي رائحة ماذا؟

ماذا إذن؟

شاهد أيضاً

عبد الكريم كاصد

الجادرية .. عبدالكريم كاصد

على جسرها المعلّق في الليل وأضوائها التي تتدلّى كحبالٍ على النهر يتأرجحُ شبحٌ «أيّها الشبح!» …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية