الذبيحة .. نادية شكري

نادية شكري

 

لم يكن عقلها يستوعب تلك الكلمات في سنها الصغيرة، هزيمة يونيو ثم بعد قليل «التنحي».. سمعت عن والدها همسه الباكي وهو يحدث والدتها «كسر ضهر». في الثانية عشر هي من عمرها وقد أنهت لتوها روايتها الأولى وشغلها الشاغل كان حيرتها: من سيقرأ كلماتها، فقد كتبت الإهداء للزعيم مصطفى كامل؟

ركبها حزن الكبار وقلقهم، وتشاركت معهم دون إرادة نفس الإحساس الغريب عليها بالهزيمة، لم تفهم معنى كسرة الظهر ولا حزن الجيران على من فقدوهم في صحراء سيناء «كل من حولى حزين».

لكنها رافقت والدها وأمها في مشوارهما بسيارة «الشركة» التي امتلأت بنسوة العاملين بمصنع والدها، وقاطني نفس المنطقة السكنية الخاصة بالشركة. كانت تردد معهم في البداية نفس الشعار «عد يا جمال»، ثم بعد قليل أخذتها الحماسة وظلت تهتف حتى نزل الجميع إلى ميدان المحافظة «عد يا جمال».. أحست أن هتافهم الحماسي وأصواتهم، التي بحت لشدة الانفعال، سوف يجيئ ثانيةً بالزعيم، بل وسوف يغير أيضًا نتيجة الحرب ويمحو كلمة «نكسة».

كان غريبًا عليها ذلك التناقض الحاصل بين الشعور المر بالهزيمة وبين ذلك العرس الذي تراه حول محافظة «أسوان» يهتف للزعيم القائد ويناشده العودة عن التنحي.. لكنها فجأة ابتسمت ومشت كالمسحورة ناحية عم «آدم» بائع الفول السوداني الذي اعتادت رؤيته والشراء منه كل صباح على باب مدرستها الإعدادية، كما رأت «عنبر» بائع العرقسوس والناس حوله تطفئ نار يونيو، وسلمت عليها «أم عزيز» التي كانت السبب في عمل سينما لأهل «المستعمرة».. فكل جمعة؛ بعد أداء صلاة الجمعة يلتقي الرجال والأبناء ينظفون ويزينون المكان حول العمارة المجاورة لنا، وعند المساء يحضرون ماكينة العرض ونستمتع بالأفلام العربية التي يعرضونها وقتها بدور السينما بالقاهرة، والمدن الأخرى.. كان هذا إنجازًا أسبوعيًا نحلم به بقية الأسبوع، وينتظره كبار وصغار بينما أكواب الشاي تدور على الجالسين فوق النجيل الأخضر، وقطع «الكيك والبسكويت» البيتي بأيدى الصغار مثلهم كأهل القاهرة يشاهدون حليم ويغنون معه «حبك نار».

عاد الجميع إلى بيوتهم وتناوبوا الاغتسال، وفي المساء سُمعت دقات على الباب ظنته والدها الذي كان لا يزال يقف يتشاور مع الرجال بالخارج، وحين فتحت رأت خالها الأصغر الذي جلبه أبيها وساعده في الحصول على عمل..

كانت حيرتها قائمة لا تزال تسكنها: من سيقرأ روايتي؟

قالت في نفسها «أخيرًا ظهر لي قارئ».. ولاحظت انتهازيتها بعينها فهي لا تحبه لصوته الأجش العالي وضحكاته الهمجية دون سبب واضح، والتي تشبه النهيق بلا مبالغة، وأيضًا، وبسببه، كانت لا تحب الممثل شكري سرحان، لأن خالها يقلده في قصة شعره ويكثر من الفازلين، ويجعل ياقته دائمًا زيتية متسخة، بالإضافة لاعتياده رحرحة قميصه من الجانبين مثله.

لكنها مضطرة الآن لدعوته للقراءة، فهي أكبر الأبناء الثمانية ولا معرفة للأم بالقراءة، والأب دائم الانشغال.. بعد تبادل السلام وصلها حواره مع أمها المتعبة والتي كانت توضب الدولاب، فهو قادم من عند محمدين الجزار، وانتظر أكثر من ساعتين حتى أنهى الذبح وفاز بالكبد، كبد الخروف، ويريد طهيه.

تحينت هي الفرصة وعرضت تبادل الخدمات، هو يقرأ روايتها وهي تقوم بطهي الكبد.. هلل بصوته الجلف وضحكاته الهيستيرية ووافق: اتفقنا.

سارت بورقة اللحم نحو المطبخ وهي متخوفة، وتلعن تسرعها في عرض تلك المقايضة، لكنها انهمكت تسرع في طهى اللحم حتى تنتهي من تأنيب نفسها.. الصيف قائظ حتى في الليل.. إنه يونيو.. هكذا تطمئن نفسها وهي ترى مسامات ملحية تنز من جدران المطبخ المغلق.. العرق يتصبب من كامل جسدها حتى أن جلبابها البيتي كان قد شف على جسدها وكأنها تحممت بملابسها، والموقد يساهم في زيادة الحرارة.. لكنها حمدت ربها أنها كبد ضأن، وقد تم نضجها سريعًا.. أطفأت النار وفتحت الباب وجرت إلى غرفتها تغير جلبابها.. ثم تناولت الطبق فوق صينية واتجهت ناحية الردهة الطويلة التي تنتهي بحجرة الجلوس.. يفاجئها صخب أخوتها ومزاح خالها مع أمها التي كادت تضحك بشدة.. سمعتها تقول: اللهم اجعله خير. ولما لمحوها آتية أفسح هو الأشياء من فوق المائدة.. همت بالانثناء لوضع الطبق لمحت جزءًا من غلاف كراستها ملقىً بجوار المائدة والجميع لا يزال يضحك، حتى أن أمها كانت تجفف دموعها من شدة الضحك.

الأرض منثور عليها قصاصات صغيرة كانت للكراسة التي بها روايتها الأولى وكتبت الإهداء للزعيم مصطفى كامل.

ـ أين روايتي؟

سألت.. تفاجئت بطلب الأم الهادئ:

ـ لمي ورقك بسرعة قبل مجيئ بابا.

وقتها لوهلة أحست أنها داخل تلال من رمال تحاول ابتلاعها، وأحست بالشفقة على نفسها وبالوحدة.. نظرت لزجاجة الماء الممتلئة والموضوعة على المائدة، ودون قرار أمسكتها من عنقها وأفرغت ما بها على الجميع حتى أمها، وسط تعالي ضحكاتهم أكثر، فأحكمت كفها على الزجاجة وضربت بها بقوة زجاج الشرفة الكبير، فتساقط الزجاج المنثور كالمطر فوق الضاحكين وفوق الأرض وسط جري الصغار، وسباب الأم وشقيقها، واتهمها الجميع بقلة الأدب، بل والجنون.

كل هذه المشاهد مرت أمام عينيها المغمضتين، وهى تحت تأثير المسكن لا تزال، يحاوطها شخوص أبطال روايتها الأولى، دموعها الدافئة تسيل على جانبي وجهها.. أحدهم يسحب شيئًا كان مربوطًا بوريدها، وعرفت من صوته أنه طبيب الشركة.. كان يجفف لها دمعاتها وهو يقول: حمد الله على سلامتها.. بعد زوال تأثير المخدر ستكون بخير.

شاهد أيضاً

إلى متى سأظل أنتظر؟ .. حسن حجازي

  (1) بكل همة رحت أكنس ما علق بذاكرة هاتفي المتذاكي، بكل تهاون أرتق الآن …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية