الحوار مع النص: صلاح عبد الصبور نموذجًا .. د. يسري عبد الغني

صلاح عبد الصبور

 

(شاعر أنت والكون نثر).. هذه المقولة تصدق بحق على الشاعر قبل أن تصدق على غيره، فصلاح عبد الصبور (رحمه الله) كان يتمتع بخاصية الشاعر (أو فلنقل الشاعرية) في أدواته وذاته، فهو يتعامل مع واقعه من هذا المنطلق غير مدرك إدراكًا عقلانيًا مفتعلاً، وإنما هو جزء لا يتجزأ من بنيان شخصيته، وبنيان ثقافته.

وعلى قدر ما نقترب من العالم الإبداعي لصلاح عبد الصبور، على قدر ما نشعر بثراء معطيات هذا العالم، في نفس الوقت الذي نشعر فيه بغزارة مشاعره وأفكاره وأحاسيسه، حتى نظن في بعض الأحيان أننا نكاد نضيع في زخمه المتلاطم في آونة قصيرة.

إن الاقتراب من عالم شاعر مثل صلاح عبد الصبور يحتاج إلى عدد من الأدوات، هذا من منطلق فهم خاص عن دور أو مهمة الناقد أو الباحث، والتي يجب أن تصدر عن إحاطة شمولية لبنية الشاعر الثقافية، بحيث يبدو عالم الشاعر جزءاً أصيلاً من عالم أكبر ألا وهو عالم الناقد، حتى يستطيع أن يضعه مكانه بدقة وحيدة وتمكن .

أما إذا كان العكس فلا أظن ـ ويتفق معي القارئ الكريم في ذلك ـ أن النقد في هذا الحال يضيف جديداً من التفسير والتحليل، ولذا فهو يميل غالباً إلى التعليل والتبرير .

أقول لكم: على الرغم من كثرة الكتابات حول الراحل صلاح عبد الصبور، والتي بينتها ببيلوجرافيا (الشاعر والكلمة)، المنشورة في مجلة فصول الصادرة عن الهيئة المصرية العامة للكتاب بالقاهرة (عدد 1/ المجلد الثاني/ أكتوبر 1981 م)، فإن شيئاً منها لا يكاد يفسره، وإذا ما حاول فهو يقف عند جانب واحد في قصيدة منه أو ديوان أو مسرحية، دون محاولة حقيقية لخوض هذا العالم جميعه، على الرغم من أنه عالم جدير بأن نسبح فيه أو نغوص فيه إلى الأعماق، بحثاً عن خواصه وأفكاره .

ومع كل التقدير والاحترام لهذا الكم الكبير من المقالات التي كتبت عن عبد الصبور في حياته أو بعد مماته، والآراء الانطباعية، والأحاديث الصحفية مع الشاعر أو عن الشاعر، وفصول الكتب التي دبجت عنه، توهم أغلبنا أن الرجل قد (قتل بحثاً)، وهو ما يحدث عادة مع كبار كتابنا العرب، السبب يرجع إلى الخلط بين ما هو دراسات نقدية حقيقية، وبين ما هو مجرد حكايات إخبارية، لا يقوم بها باحث أو ناقد متخصص، فإذا ما نحينا جانباً هذا القدر الكبير من النوع الأخير لا يبقى أمامنا سوى عدد لا يزيد عن أصابع اليد الواحدة من الدراسات النقدية المهمة والجادة .

وكم تبدو الدهشة عندما نعلم أنني ـ كباحث متواضع ـ قد حاولت هذه المحاولة مع أسماء تظن العامة من المثقفين أنها قد كتب عنها بحيث لم يعد هناك أدنى مجال لقول آخر فيها، وهي أسماء: البارودي وشوقي وحافظ في مجال الشعر، ونجيب محفوظ في مجال الرواية، وشكري عياد في مجال القصة القصيرة (مثلاً)، وسوف تندهش عندما تفتش وتفتش فلا تعثر إلا على عدد ضئيل من الدراسات الجادة المتميزة لا يتناسب مع حجم هؤلاء الأعلام في أدبنا الحديث، والذي أوهم بكثرة الدراسات، والحق أنه من الأفضل القول كثرة الأخبار الصحفية، أو الاحتفالات المناسبية، أو ما على شاكلتها، وليس الدراسات النقدية القائمة على منهج علمي سليم .

وهذه الانطباعات تتحقق من مطالعة أولية لما كتب عن صلاح عبد الصبور في ببيلوجرافيا (الشاعر والكلمة) التي أشرنا إليها، وهي انطباعات تخلص إلى اقتراحات بأبحاث لا زالت في انتظار من يقوم بها، وأمثلة على ذلك:

1ـ بحث يخوض في العالم الشعري لعبد الصبور جميعه من منظور بنيوي، وشعره أكثر الأعمال صلاحية لهذا المنهج النقدي المثمر (الشاعر شاعراً).

2ـ بحث يخوض عالمه المسرحي مؤصلاً دراميته عنده أولاً، ثم محاولاً خوض تجاربه المسرحية، ومصادر تأثراته الغربية أو الشرقية، وعملية التأثر والتأثير أمر مشروع معترف به ولا ضرر ولا ضرار فيه، وليكن هذا البحث مدخله: (الشاعر مسرحياً).

3ـ بحث يخوض تجربة صلاح عبد الصبور الثقافية التي تنبئ عن حس ناقد، يمكن من خلاله أن نصل إلى منظوره النقدي التذوقي (الشاعر ناقداً).

4ـ بحث يقف عند أبطاله الدراميين شعراً أو مسرحاً بدءًا من «الملك عجيب بن الخصيب»، و«بشر الحافي» في قصيده «حتى الملكة»، في «بعد أن يموت الملك».

5 ـ الدلالات اللغوية في كتابات صلاح عبد الصبور، ومحاولة الكشف عن طبيعة معجمه، ونوعية مكوناته اللفظية، والتراكبية، ونتمنى أن يدرس هذا الجانب أصحاب الاختصاص والخبرة والدراية في علم اللغة .

نقول: قد يحتج فريق من شبابنا المبدعين أو غير الشباب من المعاصرين، عندما يتهمون الدراسات الأكاديمية (التي يقولون عنها دائماً إنها تعيش في برج عاجي بعيداً عن الناس)، أنها لا تقبل على دراستهم أو إخضاع أعمالهم الإبداعية أو البحثية لمقاييس النقد، وفي الواقع أن لهم الحق، وللأكاديميين العذر، أما حقهم فهو في وجوب محاولة التعرف على خصائص أو سمات أعمالهم، نزوعاً إلى الإجادة والتجويد، ونزوعاً إنسانياً إلى محاولة التعرف على ظواهرهم الإبداعية المميزة، وهذا ما يدفع الأدب إلى التطور والنهوض والارتقاء .

أما عذر الدراسات الأكاديمية وأصحابها، فهو أنها لا تستطيع خوض عالم لم يكتمل له النضج بعد، وكلمة النضج عادة ما تثير حساسية أو قلق الأدباء من الشباب، أو تدعهم يظنون أنهم دون مستوى النقد، والحقيقة غير ذلك، فما أكثر الأقلام الشابة الجادة الطموحة المجددة، و ما أكثر الأعمال الإبداعية التي تحتاج إلى أكثر من وقفة، ولكن فلنعلم أن النضج في الدراسات الأكاديمية يعني: اكتمال تصوير منظور المبدع، أو وضوح رؤياه الفكرية والتجريبية الفنية .

هذا من منطلق أن الدراسة الأكاديمية تصدر أولاً عن محاولة تناول متكاملة، ولا يمكنها أن تصدر أحكاماً جزئية تتغير مع الوقت أو مع ظهور الأعمال المختلفة، وإن كان هذا لا يمنع من التعليق على عمل معين أو تناوله تناولاً فردياً، ولكن في ضوء ما تكون من رؤية المبدع .

ومثال على ذلك لو حاولنا تتبع مصادر تأثرات صلاح عبد الصبور الشرقية أو الغربية، سوف يجعلنا ذلك نقف عند ما كان أكثر جذباً له في الثقافات المختلفة بدءاً من ثقافات الدول الكبرى والعالم الثالث، وعليه فإنه من الواجب التعريف بمن يعرف، وبمن صاحب من شعراء وروائيين ومسرحيين، وبما تأثر من أعمالهم كملاحظات أولية تعين أو تساعد على اكتشاف عالمه من منظور الدراسات النقدية المقارنة .

وهي محاولة من أجل وضع الخطوط الرئيسية الخارجية لملامحه، أو تحدد الإطار العام لهذه الملامح معترفة بأن الجهد لا بد أن يكون متبوعاً بمحاولات تضع التفاصيل الداخلية، وتلقي الظلال والأضواء حتى تكتمل الصورة، من منظورها على أقل تقدير .

ودراسة مثل تلك يمكن أن تعتمد على دليل (الشاعر والكلمة)، الذي أصدرته مجلة فصول، بعد رحيل عبد الصبور أول رئيس تحرير لها، والذي يحتوي على رصد ببيلوجرافي لما كتب من مقالات أو أشعار أو مسرحيات أو كتب أو مترجمات، وما كُتب عنه وما أُجري معه من لقاءات وأحاديث، وما تُرجم من أعماله إلى اللغات الأخرى .

وبلا ريب فإن عملاً مثل هذا يكاد يكون جامعاً مانعاً، ولكن في الواقع فإننا عثرنا على مواد كثيرة لم يُشر إليها الدليل، أضف على ذلك ما نشر بعد وفاته مباشرة .

لقد ارتبط صلاح عبد الصبور ارتباطاً وثيقاً بحركة الشعر العالمي المعاصر، وارتبط أكثر بشعراء من العالم الثالث، في فترة من أكثر فترات التاريخ المعاصر اضطراما بالحركات التحررية والثورة .

عرف لوركا، وبابلو نيرودا، وإيفتو شينكو، كما عرف إليوت ووايتمان، ونشأت بينه وبينهم روابط فكرية وثقافية بلورتها طبيعة المتغيرات التاريخية العالمية من ناحية، وطبيعة المتغيرات العربية من ناحية أخرى، مع مراعاة أن صلاح عبد الصبور ولد سنة 1933 م، وقد تكون وجدانياً وفكرياً وثقافياً خلال فترة المد الثوري في مصر والعالم العربي والعالم الثالث في أفريقيا وآسيا وأمريكا الجنوبية، ومن هنا أطالب كل من يكتب عنه بضرورة الالتزام بهذه الحقيقة المهمة .

ولعل صلاح عبد الصبور كان أكثر شعراء مصر حساسية تجاه المتغير الثقافي العلمي، ومن هنا جاءت قيمته التي تفرد بها بين شعراء عصرنا، يدلنا على هذا وجهته الثقافية في الآداب الغربية، وطبيعة اختياراته لما يقرأ، وطبيعة ملاحظاته الفكرية في رحلاته وسياحاته المختلفة شرقاً وغرباً من الهند حتى الولايات المتحدة، كما يقول الدكتور حلمي بدير، عندما يتحدث عن المؤثرات الوافدة في شعر عبد الصبور، وذلك في كتابه (المؤثرات الأجنبية في الأدب العربي الحديث، دار المعارف، مصر، 1983 م).

وإذا كان لنا أن نقارن بينه وبين جيل سبق من شعراء مدرسة الديوان (العقاد ـ شكري ـ المازني)، لوجدنا بينهم:

1ـ نقطة التقاء: في أن مدرسة صلاح عبد الصبور قد ثارت شكلاً ومضموناً على محاور تعتد بها حركة الشعر الحديث بعامة، كما سبق وثارت مدرسة الديوان على محاور كانت تبدو هي الأساس في معيار الشعر العربي .

2ـ نقطة خلاف: في أن مدرسة الديوان لم تمتد في لقائها بالثقافة الغربية إلى معاصريها من الشعراء، ودليلنا على ذلك ـ كمثال ـ أن إليوت نشر قصيدته المهمة (الأرض الخراب) سنة 1922 م، ولم تنتبه لها مدرسة الديوان، بل رحلت إلى أعماق الشعر الغربي في منتصف القرن التاسع عشر وما قبله، بينما تكاد مدرسة صلاح عبد الصبور تتلاحم مع صوت الشعر العالمي الحديث والمعاصر .

ونذكر هنا أن ببيلوجرافيا (الشاعر والكلمة) أشارت إلى مقاطع من قصيدة (الأرض الخراب) لإليوت، ترجمها عبد الصبور ولم تطبع بعد، وقد حصلت عليها مجلة فصول من أسرة الشاعر الراحل .

وإذا كان شاعرنا أحد رواد مدرسة الشعر الجديد أو شعر التفعيلة، فإنه ينفرد بسمات خاصة، قربت المسافة بينه وبين الإحساس بين المتغير الثقافي العالمي .

وعليه كان عبد الصبور أكثر إدراكاً، وأكثر وعياً، وأكثر تجاوباً مع جوانب خاصة من الشعر العالمي مثلت في مجملها حالات من القتامة، والإحساس بالتضاؤل، والضياع والغربة .

وفي رأي الكاتب أن أهم عنصر يميز شعر هذه المدرسة أنها نفضت يدها من معانٍ كثر ترددها دون معنى، فإذا كان التراث يحتوي في مضمونه على عدد كبير من الأفكار، نحبها ونعجب بها ونستسيغها، فإن هذا ينبع من مناسبتها لعصرها وأجيالها الفائتة .

ولذلك فليس من داع إلى أن نعود إلى ترديد هذه المعاني والأفكار، أو نطالب معاصرينا باستخدامها رغم مغايرة الأجيال والعصور، ولهذا فإن الأساس الأول في شعر هذا الرعيل المتميز من الشعراء ـ على مستوى العالم ـ ينبع من هذه الخاصية التي يتميز بها تعبيرهم، وهي التعبير الدقيق عن طبيعة الإنسان الجديد في عالم متغير، يتأزم بقدر ما تزداد فيه حدة المادية، وتتفاقم فيه صراعات متشابكة بين العالم الأول من ناحية وبينه وبين العالم الثالث من ناحية ثانية، على الرغم من تفاوت درجات القوى، يقف فيها إنسان هذا العصر والأوان موقفاً لا يجد حياله مفراً .

وهنا أحب أن أشير إلى أن تعبير (إنسان هذا العصر والآوان) تعبير استخدمه صلاح عبد الصبور في قصيدته الشهيرة (الظل والصليب)، من ديوانه (أقول لكم، الطبعة الأولى ن ص 62).

ويشهد إنسان هذا العصر والأوان صراعاً جديداً يصبح فيه العالم أجمع محتلاً بقوتين عظمييين، تتفق فيما بينها على تقسيم مناطق النفوذ، فأصبح حول الشرق ستار حديدي تحاول يد الغرب أن تمتد إليه، كما فرض الغرب ستاراً حديدياً آخر حاول الشرق أيضاً أن يمتد إليه (ألاسكا في الحالة الأولى، وكوبا في الثانية).

ويشهد أيضاً إنسان هذا العصر والأوان حضارة لا تتميز بسمات محلية أو قومية، بل هي حضارة عالمية، تضيع فيها هوية الأمم والشعوب، ونتيجة لهذا فإن القوى العظمى أصبحت هي مصدر هذه الحضارة، وبالتالي فإن إنسان هذا العصر لا يتميز بالإبداعية الحضارية، وإنما ينتابه دائماً شعور بالتبعية، وهو شعور مصاحب للشعور بالتخلف، بل والأمية الفكرية أحياناً عند عدد كبير من الشعوب في دول العالم الثالث، كما يشهد إنسان هذا العصر نوعاً من البلطجة السياسية في الشارع الدولي، اتفقت فيه القوتان على فرض شروطها بالقوة أحياناً، وبالمداهنة أحياناً، تتفقان على إشعال الحروب في مناطق من العالم ترويجاً لراكد من السلاح المتخلف، أو تخلصاً من مخزونه حتى تحل محله مخزونات الإنتاج الجديد (وبالطبع فإنه الآن لا يوجد غير قوة واحدة مهيمنة تفعل ما يحلو لها دون رادع).

ولا شك أن هذه المشاهد الدولية تترك أكبر الأثر على الإنسان حيث يشعر باللاقيمة والغربة والتضاؤل، في عالم يصطرع بهذا القدر من استعراضات القوة .

ولهذا فر إنسان هذا العصر والأوان إلى العبث واللامعقول وما وراء الواقع، سواء في الفنون التشكيلية (سلفادور دالي، وبيكاسو) أو المسرح (بيكت ويونسكو)، أو الشعر (أراجون ولوركا ونيرودا).

ومما لا شك فيه أن هناك علاقة وثيقة بين الحركات الفنية في بداية القرن العشرين في الفنون التشكيلية عند كبار التشكيليين أمثال بيكاسو ودالي، وبين مذاهب الأدب الحديثة وخاصة في محاولات تفسير اللامعقولية (الجورنيكا كمثال).

ونقول بأن هذا الفرار يمكن أن يخضع للتحليل النفسي إذ أنه يبدو كمهرب وحيد لحالة من حالات الإجهاد الذهني بدت واضحة في مهرجانات الرقص والتي انتشرت بعد الحرب العالمية الثانية، وفي العقدين الأخيرين (من القرن العشرين) على وجه الخصوص، والتي تبدو من هزاتها العنيفة كأنها محاولة لتهدئة حدة السيطرة العقلية والفكرية .

وقد يكون من المجدي محاولة اكتشاف الجو الثقافي الخاص بالشاعر في فترة الإبداع الفني، بحيث نحاول اكتشاف طبيعة ما كان لديه من اهتمامات، وقت تأليفه أحد أعماله .

فصلاح عبد الصبور أخرج مسرحيته الأولى (مأساة الحلاج) سنة 1964م، في الوقت الذي كان مشغولاً فيه بقراءة (إليوت) والكتابة عنه، ويمكن لنا أن نراجع مقالته المنشورة في مجلة روزاليوسف بتاريخ 16 يناير 1961م، وما نشره من «مختارات في فهم الشعر ونقده بقلم إليوت»، والمنشور في مجلة المجلة، عدد مايو 1963م، ومقالته: «سكت الصوت الصارخ في البرية» وهي حول الشاعر إليوت، ونشرت بجريدة الأهرام عدد 22 يناير 1965م، ومقالته «قراءة جديدة لشعر إليوت»، والمنشورة بمجلة المجلة عدد يونيو 1964م .

ونشير هنا إلى أنه في عام 1964م، قام بترجمة مسرحية (حفل كوكتيل) لإليوت، وفي نفس العام قام بترجمة مسرحية (جريمة قتل في الكاثدرائية) لإليوت أيضاً، وقدمها لسلسلة المسرح العالمي بالكويت، ولكنهما لم تصدرا إلا بعد وفاته سنة 1981م، العددان 148 و149 على التوالي، ولعل هذا يوضح لنا استمرارية تعلقه بهذا الصوت الصارخ في البرية، والأرض الخراب، قبل بدء كتابة المسرحية، أي منذ 1961م، وحتى 1971م وما بعدها، مروراً بقراءات متنوعة في شعر إليوت ومسرحه وكتاباته النقدية والثقافية.

ونلاحظ أن ببيلوجرافيا (الشاعر والكلمة) أشارت إلى مسرحية (حفل كوكتيل) فقط، ولكن من المؤكد أن شاعرنا قام بترجمة (جريمة قتل في الكاثدرائية) سنة 1964م، وإن كانتا لم تصدرا إلا بعد وفاته .

وعندما كتب عبد الصبور «مأساة الحلاج» كانت البيئة الاجتماعية تشهد تغيرات جذرية تاريخياً واقتصادياً وفكرياً ربما لم يرض عنها الشاعر، أو لم يرض عن جوانب منها، وربما أيضاً كانت حياته الخاصة تشهد بعض التغيرات الأساسية (حلمي بدير، بحوث تجريبية في الأدب المقارن، القاهرة، 1988م، ص 112، وما بعدها).

لقد عبر شاعرنا عن بعض أفكاره في شعر وشعراء الغرب والشرق، فغير ما ذكر من شعراء (لوركا، ونيرودا، وإيفتوشنكو، وإليوت، ووايتمان)، نراه يتتبع: ماياكوفسكي، وناظم حكمت، وكازانزكس، وبوشكين، وبودلير، ويشغل بملاحظاته مساحات من صحيفتي الأهرام والأخبار القاهريتين، وأيضاً مجلتي روزاليوسف وصباح الخير وغيرها .

ثم يقوم بجمع بعض مقالاته في: (أصوات العصر) أو (رحلة على الورق) أو (حتى نقهر الموت) أو (كتابة على وجه الريح).

إن أهمية هذا التتبع لمصادر قراءات عبد الصبور الغربية لا تتضح إلا من خلال العكوف على جانب منها لغربلة ما بقى منه في وجدان وخلفية الشاعر، بحيث نستطيع من هذا المدخل التوفر على:

أ ـ أعماله الشعرية والمسرحية والنثرية لمحاولة حصر أفكاره ـ في إطارها العام أولاً ـ حصراً ببيلوجرافياً علمياً سليماً .

ب ـ مقارنة أفكاره هذه بما أشتهر عند من قرأ لهم من أفكار .

ج ـ الاستعانة بكتاباته النثرية وتواريخ نشرها ـ بحكم عمله الصحفي ـ للكشف عن البيئة الثقافية الخاصة للشاعر وقت نشر القصيدة أو الديوان أو المسرحية، ويهمنا في هذا المجال التثبت من تاريخ النشر لأول مرة .

ونحب أن نؤكد هنا أن صلاح عبد الصبور لم يهرب من عالمه المعاصر إلى أحضان اتجاهات أو مذاهب من أي نوع في عمق التاريخ الأدبي، قريباً أو بعيداً، كما فعلت مدرسة الديوان والرومانسية المصرية بوجه عام، على الرغم من صلاتها الوثيقة بالثقافتين الإنجليزية والفرنسية، مما يهيؤها لتتبع المعاصر منها، وكان شكري في بعثة لإنجلترا لثلاث سنوات في بداية القرن العشرين، ولكنه عاصر شعراء عصره، وتجاوب معهم، واستجاب لهم، وقد يكون لوسائل الاتصال الحديثة دخل في هذا، ووسائل التقريب بين ثقافات العالم وحضاراتها الحديثة.

وختاماً: فإن القرن العشرين قد بدأ بأحمد شوقي شاعراً مؤثراً واختتم بصلاح عبد الصبور شاعراً مؤثراً، وكلاهما حارب لتبقى الكلمة فاعلة مؤثرة، وكلاهما هوجم وحورب من أجل الكلمة، وبقدر ما تحتدم الخصومات حول الشاعر أو المبدع، بقدر ما تتبين أصالته، فليس منا من يحتدم نقاشه حول غث القول ورديئه، ومن هنا فإننا نطمئن أنصار مدرسة الشعر الجديد أو الشعر الحر أو شعر التفعيلة، التي تعتد بالتراث أيضاً في نفس الآن الذي تعتد بضرورة التواصل معه، كما فعل شاعرنا صلاح عبد الصبور، حقاً: إن ما بقى من عبد الصبور كان أكثر وأعظم من أن تذروه الرياح .

ولنقل جميعاً: الكاتب موقف، والموقف كلمة، وستبقى الكلمة.

* باحث وخبير في التراث الثقافي.

شاهد أيضاً

هفاف ميهوب

قراءة في «الفراش المغناطيسي» لأسعد الجبوري .. هفاف ميهوب

«كنا كما لم نكن الآن، نجتمع في مجرى الحطام مرة كل دقيقة. الأملُ عندنا فاكهةٌ …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية