الحريق الكبير.. المهمشون قادمون (2 ـ 2) .. حسن العاصي

حسن العاصي

 

سوسيولوجيا الاختلاف

إن الضغوط التي يلقيها المجتمع على أفراده وسياسات التهميش والإقصاء التي تمارس ضد الأفراد والجماعات، بحكم الاختلافات الطبقية أو العرقية أو الطائفية أو المذهبية، تشكل مأزقاً حقيقياً للأفراد والمجتمع والدولة، وتؤشر على السقوط الوضيع للإنسان.

هنا يظهر المجتمع مكاناً خاصاً للاصطفاء حيث يكون البقاء فيه للأصلح، لا مجتمع طبيعي يتطور الناس فيه جميعاً على نحو مدني حضاري. فلا يمكن للمجتمعات البشرية الحديثة أن تستمر وتتطور بدون عملية التماثل التي يعرفها علماء الاجتماع، ومنهم على سبيل الذكر الأمريكي تشارلز كولي، بأنها سعي أفراد المجتمع للمحافظة على جملة القيم والمعايير التي وضعتها جماعة محددة، وهو تقليد وسلوك اختياري طوعي غير قسري، للنمط السائد في المجتمع، وهذه المعايير تختلف عن السلوك التنافسي أو العدائي، من خلال بقاء الأفراد مستسلمين إلى حد ما لهذه المعايير بهدف الاستمرار والبقاء، لا بهدف التفوق.

وكي لا يكون كلامنا نظرياً بحتًا، فإننا سنقارب مفهوم التماثل بنموذج واقعي، حيث يرى غالبية الناس أنه من الحرج الذهاب إلى حضور مناسبة دون لباس خاص بها، وسبب الحرج هنا هو الإحساس بأنك سوف تثير استهجان الناس إن لم ترتدِ الثياب المناسبة، وبأن شعورك أنت ذاتك سوف يتعرض للتجريح بسبب المواقف وردود الفعل السلبية الصادرة عن الآخرين. هذا تماماً ما يعكس النمط الذي تهيمن خلاله الجماعة على الأفراد في كثير من الأمور، التي قد لا تملك أنت نفسك هدفاً خاصاً وواضحاً حيالها، والجماعة تفرض عليك فعل ذلك دون هدف محدد.

إن الاختلاف يفرض علينا التفكير بالجينات التي يحملها الآخر، وهو ما يعرقل التواصل الطبيعي الإنساني، لهذا ربما لا يشعر البشر بالراحة إن تواجدوا مع أحد مختلف عنهم بشكل ملحوظ، أياً كان نوع هذا الاختلاف. قد يظهر للناس أن حجم الاختلاف يكون بدافع طبيعي، لأن المجموعة عليها أن تقدر وتحترم ضوابطها ومعاييرها الفكرية والاجتماعية التقليدية، لذلك فإن المجتمع يرفض كل ما من شأنه اعتراض هذا النمط وقمعه.

 

رفيق البشرية

منذ أن وُجد الإنسان وُجد التهميش، ولا يزال الخل الوفي للبشرية، في التاريخ الأوروبي نشهد صوراً مختلفة ومتعددة للتهميش والإقصاء، منذ الحضارة اليونانية التي ارتبطت بها أول أشكال الديمقراطية التي كانت تقتصر على أقلية محددة من السكان، لأن حق الانتخاب كان متاحاً فقط لمن كان أبواه أثينيين، وبهذا فهي ديمقراطية هزيلة هشة لا طائل منها في ظل غياب العدالة الاجتماعية، مما أفضى إلى حدوث ثورة اجتماعية لاحقاً. بينما تم اعتبار الفلاحين من طبقة تتيح لهم ممارسة الحقوق السياسية بسبب حيازتهم للأرض، تم اعتبار الصناعيين الحرفيين من الطبقة المهمشة اجتماعياً. وكانت توجد أيضاً طبقة الغرباء المحرومين من حقوق المواطنة، بالرغم من فرض الضرائب عليهم وحرمانهم من ملكية الأرض، بجانبهم وجدت طبقة الأرقاء الذين كانوا يتألفون من أسرى الحروب غالباً. وكان معظم الفلاسفة اليونانيين يبررون وجود هذه الشرائح الاجتماعية المسحوقة لخدمة مجتمع الأحرار الأسياد.

في العصور الوسطى، من القرن الخامس لنهاية القرن الخامس عشر، عاشت أوروبا بسبب النظام الإقطاعي المتوحش الذي امتلك الأرض ومن فوقها من بشر وشجر وحجر، والدور الكبير للكنيسة ورجال الدين في إقصاء الفلاسفة ورجال الفكر والعلم، أسوأ مراحلها في التهميش والقتل والحروب، وانضمام شرائح اجتماعية باضطراد إلى الفئات المهمشة التي تشقى لتوفير رفاه الحياة للأسياد.

في العصر الحديث، نجد التهميش ضد الأفراد والجماعات في أغلب الأماكن في العالم، وخاصة في الدول النامية التي تكثر فيها الأقليات العرقية والمذهبية والإثنية واللغوية، ما زالت تتعرض بعض الفئات للتهميش في المجتمعات الغربية، إذ يتم تهميش المثليين ومدمني الكحول والمخدرات ومرضى الإيدز، وبعض الأمراض الأخرى كالبرص مثلاً، وبعض أنواع الإعاقات. ولا زالت المرأة مهمشة في العديد من دول العالم، وينظر لأطفال الشوارع والمشردين التي تغص بهم بعض المدن العربية والغربية على أنهم فائض حاجة ولا أحداً يريدهم، كما ويمارس التمييز ضد فئات بعينها حتى لو تم إنكار ذلك مثل اللاجئين والمهاجرين والغرباء.

وفي دول مثل الهند ونيبال وبنغلادش يتم نبذ جماعة «الداليت» وهم طائفة من الهندوس يُنظر لهم على أنهم جماعة ملوثة غير طاهرة، وكانوا قديمًا يمنعون حتى من السير في الطريق العام للقرى. وفي اليابان الدولة العبقرية يوجد لديها حوالي مليونين من المواطنين منبوذين كانت تسميتهم سابقاً «الملوثون» واليوم يطلق عليهم «بوركامين» وهم من سكان القرى المتواضعة، ويعيشون في عزلة ويتعرضون لتمييز اقتصادي واجتماعي حيث لا يتزوج منهم أحد. وكذلك الأمر بالنسبة لجماعة «بايكجيونج» في كوريا، وطائفة «راجيابا» في التبت ذات الحكم الذاتي والتابعة للصين التي يمارس في أجزاء متفرقة منها التهميش والإقصاء ضد العديد من الأقليات الدينية والعرقية. كما يعاني الغجر من التهميش والتمييز ضدهم في جميع الدول التي يوجدون فيها. وفي اليمن المنهك يوجد مجموعة سكانية تعود أصولها إلى الحبشة يسمون «الأخدام» أو اليمنيون الأفارقة، يتعرضون للتهميش والإقصاء والتمييز بسبب بشرتهم السوداء وملامحهم الأفريقية، ويعيشون في عزلة تامة، ويعملون عادة في غسيل السيارات وتنظيف الشوارع والتسول.

المهمشون في الولايات المتحد غالباً ما يكونون وقوداً للحروب التي تخوضها أمريكا، على سبيل الذكر فقد شارك نحو 40 ألف جندي من القوات الأمريكية في معركة احتلال العراق، من المقيمين في الولايات المتحدة يحملون بطاقات الإقامة، وليسوا من المواطنين ذوي الجنسية الأمريكية. وكان هؤلاء المرتزقة ومعظمهم من أصول لاتينية يأملون في تسريع إجراءات الحصول على الجنسية الأمريكية، بعد أن تم تقديم حوافر لهم من قبل السلطات الأمريكية، بشرط عودة المجند حياً من مناطق القتال. وقد أسماهم النائب البريطاني جورج جلاوي بأنهم «قوات جرين كارد». الغرب عموماً، والولايات المتحدة بصورة خاصة، يستخدمون المهمشين لخوض معاركهم. فنسبة السود في الجيش الأمريكي تشكل حوالي 40 في المئة، بينما يشكلون حوالي 25 في المئة من العدد الإجمالي للسكان. وهؤلاء هم الذين يعتمد عليهم الجيش الأمريكي بينما يتم إعفاء أبناء وبنات من يمتلكون الثروة من الخدمة العسكرية.

 

الحريق الكبير

استهداف بعض الأفراد والجماعات بالعنف أو التعنيف والنقد الطاحن، ونشر الخوف غير المبرر والكراهية للأجانب أو للغرباء، لا يمكن اعتباره إلا نوعاً وحشياً من التهميش والإقصاء. أيضاً التهميش الاقتصادي لشرائح من المجتمع هو نوع من التمييز، كما التهميش الذي تتعرض له النساء لغاية الساعة في عدد من المدن والقرى والبلدات العربية وسواها، يعتبر تمييزاً موجعاً ضدهن. أيضاً انتشار ثقافة المحسوبية التي تتيح لعدد من الناس الانتفاع من الفرص، فيما يتم حرمان الآخرين منها، هو تمييز وإقصاء ظالم. إقصاء المبدعين وأصحاب العقول والفكر والضمائر، وإتاحة الفرصة للجهلة والمدعين، هو تهميش يهدم المجتمعات.

أياً كان نوع التهميش الذي يمارسه الأفراد أو الجماعات أو الأنظمة ضد الأفراد والجماعات الأخرى، المختلفة سياسياً أو فكرياً أو دينياً، فإن هذا الفعل ينتج الظلم والقهر والاضطهاد في المجتمع، لذلك يلجأ المهمشون أفراداً وجماعات غالباً إلى عصبياتهم الطائفية والعرقية والمذهبية والطبقية، للاحتماء من بطش الآخرين، وبهدف التلاحم والتضامن فيما بينهم لإثبات هويتهم، ومن هنا تتوفر البيئة الملائمة لظهور ونمو التطرف والعنف.

غالباً ما تجد في الهوامش العناصر الأكثر فاعلية والتي تعكس تفاعلات المركز، لكنها أيضاً كثيراً ما تغيب عن ملاحظة الكثيرين. إن مصائر الشعوب تحدده التفاعلات التي تحدث في قاع المجتمع وهوامشه، حيث يقبع الفقر والشقاء والحرمان وبؤس الحياة. هناك تجد المهمشين وبينهم الكثير من المبدعين والمتفوقين في مجال الأدب والفن والفكر، لم يجدوا مكاناً لهم في أطر مجتمعية تغلب عليها مظاهر الخداع والزيف والنفاق والانتهازية. هؤلاء المهمشون يتكاثرون في وجود أنظمة عربية معظمها قائم على الاستبداد والقهر وتحالف السلطة السياسية مع رأس المال الفاسد، في غياب البعد الديمقراطي والتطور التنموي، وإعلاء ثقافة المداهنة والتزلف والمحسوبية.

إن استمر تجاهل الدولة والمجتمع للمهمشين، وما لم تكف الأنظمة عن استخدام العصا الغليظة لتأديب هؤلاء الرعاع كلما ارتفع صوتهم احتجاجاً على أوضاعهم، وإن تواصل التضييق على المهمشين وتكميم أفواههم ووأدهم في الحياة، فإن الحريق الكبير قادم لا شك، ولأن النار لا تستعر إلا في أكوام القش والحطب الجاف المتناثر في الهوامش، فإن التاريخ يُظهر لنا بجلاء أن جميع الثورات الاجتماعية التي خاضتها البشرية في سعيها نحو المستقبل الأفضل أشعلها هؤلاء المهمشون المتطلعون لغد أكثر عدالة وأوسع حرية.

* كاتب وباحث فلسطيني مقيم في الدنمارك.

شاهد أيضاً

الحبيب الواعي

الحبيب الواعي يكتب: رحيل ميروين الإنساني الشاعري

  ولد ويليام ستانلي ميروينفي مدينة نيويورك عام 1927، وترعرع بين تقاطع زاوية الشارع الرابع …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية