الحريق الكبير: المهمشون قادمون (1 ـ 2) .. حسن العاصي

حسن العاصي

 

إن كنت تشعر أنك تتعرض لتمييز بسبب حالتك ووضعك وخلفيتك الاجتماعية أو العائلية أو القبلية أو الطائفية، أو بسبب الانتماء الديني أو المذهبي أو العرقي، أو التمييز بسبب وضعك الاقتصادي أو مستواك التعليمي أو عملك أو لغتك، أو بسبب مكان إقامتك وقريتك ومدينتك، أو بسبب نوع جنسك وعمرك ولون بشرتك ومظهرك، أو بسبب أفكارك ومواقفك، فأنت إنسان مهمش.

التهميش أصبح ظاهرة عميقة ولافتة، بالغة التأثير في الحالة العربية وقبيحة. وهي ظاهرة لا تقتصر على المجتمعات التي تعاني من مشكلات اقتصادية وسياسية واجتماعية، بل تشمل أيضاً جميع المجتمعات والدول، سواء تلك الغنية أو الفقيرة، الدول التي تشهد صراعات أو الأخرى المستقرة نسبياً، الدول التي تحكمها أنظمة استبدادية أو تلك الأقل استبداداً. وهي ظاهرة تطال تداعياتها الدول الأخرى غير العربية، الإقليمية منها أو الدول الأوروبية، التي يفر إليها الناس من بلادهم نتيجة تعرضهم للتمييز والقهر والجوع.

الاقصاء والتهميش هما أخطر ما يواجه المجتمعات العربية حالياً وفي المستقبل، لأن الإلغاء يتسبب برد فعل دفاعي من قبل الأفراد والجماعات، ويؤدي إلى تحلل النسيج الاجتماعي للدول، ويقوض الوحدة الداخلية، ويتسبب في بروز تناحر وصراع بين فئات المجتمع، مما ينتج العنف والقسوة والإرهاب الذي يظهر أمامنا في أكثر من مكان.

إن التصادم بين المسحوقين والأنظمة المتسلطة يدفع إلى عالم المهمشين أعداداً كبيرة متزايدة من أفراد المجتمعات، ويوفر بيئة مثالية للثورات. والدولة التي تقوم أركانها على القهر والإفساد والشللية، وتهميش العقول المبدعة وتسطيح القيم، وتقديس كل ما هو تافه ركيك لا قيمة له ولا طعم، وإعلاء لقيم الاستهلاك والطاعة والخضوع والجهل والجهلاء والمنافقين، هي دولة خربة سائرة في درب الزوال.

 

التهميش في اللغة والمصطلح

في اللغة فإن التهميش هو الشيء الثانوي غير الرئيسي، وترك الشيء جانباً وعدم جعله في اهتمامك المباشر. اجتماعياً، فإن الإقصاء هو قيام النظام أو المجتمع بتهميش الأفراد أو الجماعات لأسباب عرقية أو مذهبية أو طائفية أو قبلية أو سواها. وفي المصطلح فإن التهميش هو الأفعال التي تصدر من المجتمع أو من أفراد فيه ضد أفراد آخرين أو جماعات، وتهدف هذه السلوكيات إلى التخلص من الناس الذين لا يرغب فيهم المجتمع، أو الذين يعتقد أنهم بلا منفعة، لذلك فهم فئة مستهدفة لاستثنائهم من نظام التفاعل المجتمعي الطبيعي، ووضع العراقيل أمام تحصيلهم العلمي والمعيشي، وتحديد الفرص التي تمنح لهم مقارنة بالآخرين، ثم تقليل إمكانية استفادتهم من الموارد الطبيعية للمجتمع، وقد يصل الأمر إلى حد الممارسات العنصرية التي تظهر قدراً بغيضاً من الكراهية لهم، وفي بعض الأحيان يكشف الإقصاء عن مخالبه وأنيابه بصورة أكثر تطرفاً وعدوانية، حيث يمارس التطهير العرقي والإبادة الجماعية، وهذا ما حصل في أماكن متعددة من هذا العالم.

يختلف الإقصاء والتهميش في تنوعه ومفاهيمه، وحدته وشموليته، بين مجتمع وآخر، تبعاً للمستوى الاقتصادي والثقافي، فالتهميش في المجتمعات المتطورة يختلف في نوعيته ودرجته عن ذاك الإقصاء الذي تمارسه أنظمة ديكتاتورية، أو مجتمعات فقيرة جاهلة. حيث ترى أن بعض الجماعات أو بعض الأفراد يعيشون في ظروف حياتية قاسية رغماً عنهم، في أماكن نائية وبعيدة عن المؤسسات الخدمية ونظام الحماية الذي يتمتع به المواطنين من الدرجة الأولى. في مجتمعات أخرى يترك بعض من الناس يموتون غالباً بسبب المناخ أو الجوع أو الأمراض والأوبئة أو بسبب الحروب والنزاعات المحلية. وفي أماكن ثانية يتم التعامل مع النساء على أنهم اقل درجة وشأناً من الرجال، وبالتالي لا يحصلون على نفس الحقوق، بل غالباً ما يتم استعبادهن وبيعهن للعمل في المنازل أو الحقول أو المنشآت، ويتم اغتصابهن والاعتداء الجسدي عليهن. حتى في المجتمعات الغربية هناك تهميش ضد بعض الفئات من المجتمع، مثل المدمنين على الكحول أو المخدرات، أو المثليين، أو ذوي الدخل المتدني والمحدود.

جيوسياسياً يبدو التهميش والإبعاد بمثابة العنف الاجتماعي الذي يمارسه المجتمع ـ جميعه أو بعضه ـ ضد جماعات أو أفراد في ذات المجتمع، لذلك ليس مستغرباً أن يظهر مصطلح الإقصاء في جوهر كافة الصراعات والحروب التي خاضتها البشرية منذ القدم، وهي حروب الغاية منها تدمير وإلغاء الآخر. ونجد معاني التهميش في كافة الصراعات الاجتماعية مهما اختلفت التسميات والمظاهر.

 

من هو المهمش؟

هو كل ما يتم إقصاؤه ضمن سياسة متعمدة من السياق الإنساني الاجتماعي أو الثقافي أو السياسي أو الحقوقي الذي يمثل الغالبية. والمهمشون غير المنفيين أو المهاجرين، لأن الإنسان المهاجر قد اختار منفاه وقرر بمحض إرادته الحرة الهجرة، لكن الشخص المهمش هو من يتم عزله قصدياً ولأسباب متنوعة دون رغبة منه. المهمشون أفراداً من المجتمع لكن لا أحد يريد تذكرهم أو الانشغال بهم نتيجة أن المجتمع لا يرى أي أهمية لهؤلاء، إما لأسباب ترتبط بالتنافس غير الشريف على الوظائف والمراكز، وربما الخشية من المقدرة المعرفية للمهمشين الذين عادة ما يكون بينهم الكثير من المبدعين. وقد يكون التهميش ناتجاً عن مجرد الاختلاف، لأن الإنسان المختلف غير المتوافق مع الغالبية هو شخص غير مرغوب، وغالباً لا يتم عزل إلا الافراد المتميزين المبدعين الذين يخشاهم الأخرون، وترى الأنظمة بهم خطراً كامناً، فالإنسان الجاهل لا يتم إقصائه.

كثيرون هم المهمشون منذ قدم التاريخ، فقد تمت محاربة وإقصاء أهل الفكر والعلم والفلسفة أمثال “ابن رشد، أبي حيان التوحيدي، سفيان الثوري” وسواهم الكثير ممن حرموا من مواهبهم والظهور في أوساطهم. وما زال التهميش قائماً في غالبية المجتمعات العربية المرتبطة قبلياً وطائفياً ومذهبياً، وترفض الانصهار مع المكونات الأخرى من أجل الحفاظ على النسل. وهذا التهميش والإلغاء الاجتماعي يعكس في جانب منه الطبيعة الإنسانية الموحشة المتغوّلة.

 

ثقافة الإقصاء

وهي من الآفات البغيضة التي عهدها البشر منذ القدم. ثقافة تفتك بالمجتمع التعددي وتبطش بتلاحم الشرائح الاجتماعية، وخطرها أشد هلاكاً من أي تهديد خارجي. ثقافة تعتمد التهويل والتخويف بهدف تشويه حقيقة الآخرين، والتقليل من شأنهم وعدم احترام أفكارهم المخالفة، تمهيداً لتهميشهم وإلغائهم.

أن تعتقد أنك على صواب ليس نقيصة، لكن أن تحرم الآخرين من حق الاختلاف معك فهذا فعل مذموم، لأن لا أحداً منا يمتلك كامل الحقيقة في هذا الكون المتنوع المتعدد، وفي هذا العصر الذي شهد تطور التقنيات التي أدت إلى الثورة الرقمية والثورة المعلوماتية، وسهولة الحصول على المعلومة وسرعة انتقال البيانات وانتشارها. لذلك تصبح ثقافة التهميش التي تعتمد في جزء من مضمونها على تجاهل الآخر والتشكيك بصدقه، كأنها تقف في وجه التطور والتاريخ، هي الثقافة التي أسهمت في إحداث أسباب الانحطاط الثقافي والأخلاقي والقيمي في العالم العربي.

الأفراد والمجتمعات التي ينتشر فيها التهميش والإقصاء هم عبارة عن تكتلاتيرون بعين واحدة، ويفكرون بطريقة واحدة، ولديهم غرور أحمق ونزق صبياني، ويعتقدون أنهم وحدهم يمتلكون الحقائق، فإما أن تكون معهم أو أنك في ضلال ضدهم. وإن رفض بعض الأفراد أو الجماعات الانصياع الطوعي لهذه الإملاءات الجماعية، التي تتسم بضيق الفكر والأفق، يقرر المجتمع تهميشهم وإلغاءهم عبر وسائل غير شرعية ـ غالبًا ـ وهذه العقلية الاستعلائية البغيضة يتم توريثها في المجتمعات العربية في العائلة والمؤسسة التعلمية، عبر التلقين الضرير للصغار عما هو مختلف عنهم ثقافياً أو اجتماعياً أو مذهبياً أو عرقياً أو دينياً، والتخويف منه والتحذير والتشكيك بصدق أقواله وافعاله وانتمائه، بدلاً عن تعليمهم حرية الاختيار وإبداء الرأي دون خشية العقاب، وزرع بذرة الاحترام للآخرين والتعايش معهم واحترام التعددية في نفوسهم.

 

نظريات القتل الرحيم

أقبح مظاهر التهميش والإقصاء تظهر في نظرية مؤسس علم “تحسين النسل” وصاحب كتاب “عبقرية الموروث” العالم البريطاني فرانسيس غالتون الذي أمضى سنوات في السودان وناميبيا لدراسة سلوك السكان، ويعود له الفضل في استخدام البصمة لتحديد الهوية. واعتبر فرانسيس أنه بالإمكان إجراء تحسين منظم للجنس البشري، عبر اختيار ما أسماهم بالوالدين المتفوقين. وهي فكرة تقوم على الإقصاء بواسطة الإجهاض ارتباطاً لمعيار عرقي. ووضع هذا العالم البريطاني الذي يمت بصلة قرابة للعالم الشهير “تشارلز داروين” نظرية أسماها “الاستيلاد الانتقائي” للبشر والحيوانات، لتحسين النسل عبر الأجيال عبر الصفات الوراثية، فيتم تشجيع الأصلح والأرقى على التكاثر، وتثبيط الأقل جودة وصلاحية والقضاء عليه.

وبالتالي فإن الجانب المرعب في نظرية تحسين النسل السلبي هو إقصاء وإلغاء أي عنصر أو مكون يتم اعتباره غير نافع، وتتدرج إجراءات هذه النظرية من جعل المرء عقيماً غير قادر على الإنجاب، حتى الإجراء الأكثر وحشية عبر إبادة الأضعف. وهذا تماماً ما فعلته ألمانيا النازية الهتلرية في ثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين، من خلال سعيها لإحداث عرق ألماني صاف، حيث قام العلماء الألمان حينها بإجراء تجارب وحشية عديدة تمت على البشر، ثم قاموا بتعقيم مئات الآلاف من الرجال الألمان، ممن تم اعتبارهم أنهم غير صالحين عقلياً على الإنجاب، كما تم قتل وإبادة عشرات الآلاف من المعاقين والمرضى ضمن البرنامج القسري “القتل الرحيم”.

في بداية القرن العشرين أقدمت عدة ولايات أمريكية على الشروع بتنفيذ سياسة “تحسين النسل” عبر إصدار قوانين جديدة للزواج تتضمن معايير جينية، يتم بموجبها حرمان المصابين ببعض الأمراض من الزواج. وقد تم تعقيم المصابين بالعته قسرياً بقوة القانون في الولايات المتحدة الذي استمر العمل فيه من بداية القرن العشرين ولغاية أواسط الستينيات، حيث تم تعقيم حوالي 100 ألف مريض خلال هذه الفترة، فيما وصل العدد في ألمانيا النازية إلى حوالي 460 ألفاً.

* كاتب وباحث فلسطيني مقيم في الدنمارك.

شاهد أيضاً

إبراهيم عبد الباري

يرعبهم حيًا وميتًا .. إبراهيم عبد الباري

لم أكن أعرفه، وبطبيعة الحال لم أقرأ له حرفًا أو بيتًا من أشعاره التي صارت …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية