«الحجاب» بداية النهاية .. رحاب السماحي

رحاب السماحي

 

قد تكون هذه بشرى سارة للمعترضين على الحجاب، ونذير سوء للذين يعبدون الحجاب ولا يعتبرونه فقط عنوان الفضيلة بل جوهرها.

ترددت كثيرًا في الكتابة عن الحجاب، لكن نظرًا لما مررت به، ومرت به مصر نتيجة انتشاره، كان لزامًا عليَّ أن أكسر حاجز الصمت الذي فرضته على نفسي لسنوات، كي أبوح بما يعتمل بصدري منذ حداثتي.. فالفم ليس به ماء بل فيضان هادر لا يعرف نهاية.

نعود للوراء قليلاً بحثًا عن الأسباب الحقيقية لانتشار الحجاب، وكنت شاهدةً على بعض فصولها. فقد بدأ انتشار الحجاب مع تواطؤ السادات مع الجماعات الإسلامية، ومن بينها جماعة الإخوان، والدخول في حلف معهم ليتخلص ويقضي قضاءً مبرمًا على التيارات اليسارية والاشتراكية، هذه فقط الشرارة الأولى، وكان ذلك في أواخر السبعينات تقريبًا، وبدأ نفوذ الإخوان في التمدد وإشاعة عبارات (سيستمر الغلاء إذا لم تتحجب النساء، والحجاب فريضة وعفة، ومن لا ترتديه تعرض نفسها لعذاب جهنم وبئس المصير…).. وقد رصد مسلسل «ذات» للكاتب الكبير صنع الله إبراهيم هذه الإرهاصات رصدًا واقعيًا دقيقًا، فضلاً عن نزوح الكثير من المصريين للعمل بالخليج، وخاصة المملكة العربية السعودية، وما طفحته علينا من أفكار وممارسات وهابية بدوية.

وأتذكر جيدًا، وأنا طفلة، أن كانت لي صديقه عادت لتوها من السعودية وكان معها كتاب عن التبرج، يشير إلى أي فتاة غير محجبة، كان عنوان الكتاب صادمًا وغريبًا؛ أزعجني حينها لسبب لم أعرفه، وهرعت لجدتي علّني

أجد معنى لهذا المصطلح، فقالت لي «يعني السيدة العجوز التي ترتدي ملابس قصيرة» وسألتني من أين لي بهذا الكتاب، وشعرت أنها لا تستحسن أن أقرأه.

وما أن وصلت للمرحلة الإعدادية حتى بدأ فصلٌ جديدٌ يؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن الحجاب انتشر عنوة، وليس باختيار حر، كما يزعم البعض، فكان الحجاب جزءًا لا يتجزأ من الزي المدرسي، وبالطبع أهلي لم يرفضوا ذلك لاقتناعهم التام به.

وكان لدينا مدير مدرسة سادي، لا أجد تعبيرًا أرق أصفه به، كان يضرب الفتاة التي لا ترتدي الحجاب على رأسها بالعصا، كي يقهر الفتيات ولا يفكرن في شق عصا الطاعة فيما بعد وخلعه.

ورغم أنني كنت أرتديه لأدرأ عن نفسي إهانات جاهزة مصاحبة لهذا العنف إلا أنني لم أنسَ هذا الرجل ونظراته القاسية وكراهيته، وشعرت أنه ليس إنسانًا عاديًا بل شيطان ينفذ إرادة مشوهة ليست من الله حتمًا.

نعود مجددًا لأسباب انتشار الحجاب، والذي ازداد مع عودة الشيخ الشعراوي من السعودية، وموجة اعتزال وحجاب الفنانات، حيث تركت الدولة الساحة له وللشيخ عمر عبد الكافي، وكان له هو الآخر برنامج على التلفزيون المصري، فضلاً عن ظهور شرائط الشيخ كشك وأمثاله ممن يشيطنون من لا ترتدي الحجاب، وهكذا اتنتشر الحجاب في الطبقات المتوسطة، وكانت الطبقات العليا بمنأى، إلى حدٍ ماـ عن هذه التأثيرات.. حتى جاء جهبذ العلم عمرو خالد الذي كان يلقي دروسًا في نادي الصيد، حيث الطبقة المخملية، وبدأ نوع جديد من الحجاب المودرن الروش في الظهور.

واكتسح الحجاب حتى صارت مصر محجبة، وبات من النادر أن ترى غير محجبة إلا وتتوقع أنها مسيحية.

وهنا لن أنسى معاركي في المرحلة الثانوية، حيث قررت عدم ارتداء الحجاب نهائيًا، وكلما كان يقترب شهر رمضان أشعر بانقباض يلتهم أحشائي، وذلك لارتداء الفتيات الحجاب فى نهار رمضان، وإظهار ورع زائف وعبادة للشهر ذاته وليس لله..  وكم سمعت من اتهامات في ديني، لعدم ارتدائه، قد تصل إلى حد التشابك بالأيدي، رغم أن الفتيات كن يقمن بخلعه بعد رمضان مباشرة.. وكأن الله لا يعرف نواياهن وهو علام الغيوب.

وأخدت قرارى معي إلى الكلية التي اخترتها كي لا أصطدم بذلك الكابوس من جديد، ولكن هيهات؛ فقسم الإعلام شعبة الإذاعة والتلفزيون صار في آخر سنة جامعية للمحجبات فقط.. دوني بالطبع.

هكذا حملت إثمي معي ورحلت أبحث عن حياة جديدة بعيدة عن الحجاب، علَّني أجد من يشاركني إثمي ويحمله معي.. وأخيرًا وجدت من هم مثلي وكن قلائل، وأغلبهن من جيل الستينات الذي نشأ فى بيئة ليبرالية منفتحة مختلفة عن البيئة الآسنة التى ترعرعت فيها.

ثم بدأت مرحلة انحسار الحجاب وبداية أفول نجمه، وخاصة بعد ثورة يناير 2011.. حيث بدأت أسمع أن الكثيرات ممن أعرفهن خلعن الحجاب وكنت أبتسم وأقول لنفسي أخيرًا أدركن الحقيقة، ولكن إدراكها متأخرا أفضل من عدم إدراكها نهائيًا، وكان الخبر يذاع خلسة في جلسات جانبية، وبالتدريج بدأ الخبر يصبح معتادًا أكثر، وانتشرت مناقشات محتدمة حول فريضة الحجاب من عدمه تعود للواجهة من جديد.. فالبديهيات السلفية أصبحت إشكاليات تقدمية ليبرالية.

وهذا الجدل لم يكن يعنيني كثيرًا ليقيني أن إيماني بالله لا يخدشه شعرات هو خلقها لتزيين رأسي، لا لأخفيها حتى لا تثير شهوات الرجال.

وظهر مؤخرا «البونيه» الذي ترتديه الفتيات لتغطية الشعر دون الرقبة، والذي بدأ به انتشار الحجاب، وأعتبره أيضًا بداية النهاية.. صحيح أنه لم ينتشر بعد على نطاق واسع، ولكنى أتوقع انتشاره لتحدث الفتاة المواءمة بين أن ترتدي ما يظهرها كأنثى كما خلقها الله، وبين أن تخفي هذه الشعيرات الخطيرة المثيرة! ونظرا لكل ما أسلفت.. أعتقد أن نهاية الحجاب أصبحت وشيكة.

هناك سؤال موضوعي كثيرًا ما يلح علي رغم معاري الشخصية مع الحجاب وهو: لماذا احتلت مصر المركز الثاني في نسبة التحرش الجنسي على مستوى العالم رغم انتشار الحجاب فيها؟! هذه الإشكالية تمثل علامة استفهام كبيرة.. فهناك علاقة طرديه بين زيادة انتشار الحجاب وارتفاع نسب التحرش

على الرغم من أن المصريات في الستينات، وما قبلها، كن غير محجبات وبعضهن يرتدين ملابس قصيرة، ولم نسمع عن هذه النسب المرتفعة من التحرش اللفظي والجسدي.

ولفك غموض هذه العلاقة أعتقد أن هناك سببًا وفقًا لرؤيتي المتواضعة، وهو أن رجال ما قبل الحجاب، إن جاز التعبير، اعتادوا على رؤية النساء حاسرات الرأس ويرتدين ملابس قصيرة، فوجودهن أمامهم لا يشعل خيالهم بل يرونهم كما هم.. أما في مصر بعد الحجاب فإنهن أصبحن ملتحفات وبعضهن متسربلات بأكوام من القماش، مما يثير خيال وشهوة الرجل لما هو تحت هذه الأغطية.. وسأترك هذا السؤال للقارئ علّه يجد إجابة أعيتني شخصيًا.

شاهد أيضاً

رحاب السماحي

رسائل من العالم الآخر (7 ـ 9) .. رحاب السماحي

  فى صباح أحد الأيام ذهبت لورانس لاختبار مهم، وقررت أن تسلك طريقًا مختصرًا تتفادى …

تعليق واحد

  1. مقال رائع الحجاب كان ممكن ان ينحسر اسرع لولا الفقر فالحجاب بالذات الفضفاض يجعل الفقيرات مستورات امام الموضات اللى المفروض يلاحقوها

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية