التقافز بين مسارات الزمن في “زحف الأرانب”.. شوقي عبد الحميد

عصام حسين عبد الرحمن

ارتبط تطور الشكل الروائي المصري بالتغيُّرات المجتمعية، الناشئة عن الأحداث السياسية الكبيرة، والتي من من أكبرها تأثيرًا، بعد نكسة 1967، والتي كان تيار الوعي أحد عناصر التعبير عن تلك الفترة التي تاه فيها الطريق من الإنسان المصري، وهو ذات الشعور الذي يعود إليه من جديد، بعد إخفاق ثورته الحقيقية الوحيدة، في 25 يناير 2011، بعد ثورة 1919، والتخبط الذي نجم عن التصارع حول السلطة بين القوى التي تملك الهياكل التنظيمية، فتاه الإنسان المصري من جديد بين أرجل المتصارعين، وضاع حلمه، وتاه منه الطريق. ولذا كانت عودة د. عصام حسين إلي ما يشبه تيار الوعي في روايته “زحف الأرانب” عودة منطقية، ومعبرة بصدق الإبداع عن هذه المرحلة الضبابية المتخبطة؛ حيث بدأت الرواية بداية موفقة في تجسيد الرؤية، حين بدأت بالسارد في غرفة العمليات بعد أزمة قلبية، انخفضت فيها مقدرة القلب إلي ما دون النصف من قدرته، غير أن صاحبنا، رغم كونه طبيبًا يعلم خطورة الموقف، يصر على الخروج إلى الحياة، وكأنه يعلن منذ البداية أن الشعب قد يمرض، لكنه لايموت، معبرًا عن حب الحياة، ومجسدًا للشعب المصري كله في ( أنا هنا وسط المرضى، أشعر أن الشعب كله مريض، وأن عليه الانتظار طويلاً حتى يشفى!!). لينطلق الكاتب عبر أسلوب متدفق، متقافز بين مسارات الزمن، ليعلن تضاربه المعبّر عن فقدان التركيز والتخبّط الذي طال عناصر المجتمع بالاقتتال والتطاحن، وكأنه يستعيد زمن الاقتتال الأول بين الأخوين قابيل وهابيل، معلنًا اندثار اسم هابيل، أو غيابه عن المشهد، بما يمثله من طيبة،  بينما لا زال قابيل بفعلته هو المسيطر على المشهد، وبما يمثله من شر وعدوانية وأنانية، ( لم يترك (قابيل) فرصة كي يداري سوءة أخيه، بل ترك له جلطة بالقلب. ما زال اسمه يتكرر منذ آلاف السنين، بينما اختفى اسم (هابيل )  من الوجود) في صورة رفيقي السارد بالمستشفي، مسلم ومسيحي، في إشارة إلي ذلك الانقسام الأكبر الذي صعد ليتصدر المشهد المصري عقب الثمانية عشر يوما المجيدة في حياة الثورة المصرية، التي عاشتها مصر اندمج فيها وانصهر الجميع، المسلم يساند المسيحي، والمسيحي يحمي المسلم في صورة أبهرت العالم: ( تحكي يوم أن ناداها والدها:

–  اسمك من اليوم أصبح (عزيزة ) يا ماري!  حبست أنفاسها، لكنها أيقنت إما أن تكون عزيزة ، أو تغلق نوافذها).

ويتأرجح السارد بين الأزمنة، عائدًا إلى ما قبل الثورة، مجسدًا لتلك الحالة التي كان ظاهرها الموات الرابض في السكون والاستسلام لتلك المظالم، وباطنها الغضب وانتظار خروج الجنين من رحم الحامل، وكأنه السكون السابق للعاصفة، ليعبّر الكاتب عنها فيما يدور بين الأصدقاء

(الحناوي لا ينام الليل أبدًا، يظلَّ يُصدّع رأسي بالحديث عن (السياسة).

لم يقطع حبل التواصل يومًا بيننا رغم السفر والغربة، كان  الناس في ذلك الوقت كالدمى، صامتين، خائفين، مترددين.

وكان يسأل:

– إلى متى هذا الصمت اللعين؟ إلى متى نترك هؤلاء العقارب ليواصلوا اللدغ في أجسادنا المنهكة؟).

 ومن هنا كانت (الأرانب) تستيقظ، وتدب فيها الحياة، وكان (زحف الأرانب) لتتخطّي كل العقبات وتفعل ما كان متصوَّرا أنه المستحيل، حيث يعود بنا السارد ليضعنا أمام بذرة الثورة.. التكريس لصاحب السلطة.. وغياب العدالة.. وقهر الطبقات المطحونة من الشعب، في مشهد ذلك الفلاح، جد السارد؛ ليغوص بنا الكاتب عصام حسين عبد الرحمن إلي حيث الجذور البعيدة للظلم( جمع جدي المحصول وعبّأه، وضعه علي ظهر الحمار وسار به للمدينة ليبيع ويبتاع، علي مشارفها، وضع الحارس سجادة صوفية نظيفة في نهر الطريق، حاول جدي تفاديها، انحرف الحمار قليلاً فدهس بعض عيدان القمح في حقل السلطان، قبضوا عليه، واستولوا على المحصول.. في المساء حكموا عليه بالسجن، قالوا: – أتلف محصول القمح هذا العام!) مؤكِّدًا دور الأمن، الذي كان هو البذرة الأولى للثورة المصرية، في إطفاء أنوار الحياة ( المباني كلها مظلمة، والأمن كما هو يوميًا على البوابة).

ولم يقتصر الكاتب على أسلوب التقطيع في التعبير عن ذلك التفسُّخ المجتمعي فقط، وإنما استعان أيضًا بالرمز الدال الذي ينفذ من خلاله إلي التعبير عن الحالة الكلية، حين جسّد رئيس البلاد بصاحب الناقة، وعن مصر بتلك المرأة التي اغتصبها صاحب البلاد، وسط تهليل الجوقة المحيطة بالكرسي، وكل كرسي، مهما تغيّر الجالس فوقه: ( صلًى صاحب الناقة بخشوع، أشار لرجاله، حملوا عزيزة الجريحة، ألقوها بالقرب من عرشه، تتألم وتنزف من روحها تتصاعد روائح الألم من جسدها.. من زاوية جانبية بالقرب من قصره الفخم، كنت أسمع تأوهاتها وأشعر بآلام روحها، وضعه بين فخذيها، ورجاله من خلفه ينتظرون ويكبّرون.. نظرت إلى كتفي، ارتطمت عيناي بعيني طائر، بدا غاضبًا، هبط علي الأرض وراح يتضخم ويتضخم كطائر خرافي عظيم، عبر الزمن بسرعة جنونية، صرتُ أسابقه وأنفاسي كروحي تتقطع).

تعذبت المرأة/مصر طويلاً، غير أنها دائمًا تنهض؛ ليؤكد من جديد أن مصر من الممكن أن تمرض، لكنها أبدًا تقوم ( بقيتُ أنا وطائري، أسأله: أي امرأة هذه؟)

رغم كل الآلام، تنهض وتفتح نافذتها، حتى في أشد اللحظات ظلامًا، تتجول بعينيها في السماء، تبحث عن النجوم، قطفها، تضعها على كفيها).

وبعد اختطاف الثورة الأولى، وفشل الثورة الثانية في تحقيق أهداف 25 يناير، كان لا بد أن يثار التساؤل: وماذا بعد؟ ليجيبنا الكاتب في نهاية روايته، وكأنه يرفض الاستسلام، ويُصر على تحقيق الأهداف:( أفاق مصطفى على هيئته البشرية، يردد:

– ثورتان والفساد كما هو

ثورتان والمتاجرة بالدين كما هي

ثورتان والعقل المصري في ضلال.

ثورتان والحكام مخلوقات قاسية.

الأرانب جميعها تهتف:

شعب الأرانب يريد حرية العشق

شعب الأرانب يريد الخلود)

غير أن إيقاع السرد يأخذ اتجاهًا مخالفًا، عندما يبدأ السارد في الحديث عن تلك المغامرات النسائية العربية، حيث يقيم العلاقة مع الفلسطينية التي تشكو من إغلاق المعبر من قبل الأخوة، في الوقت الذي يحاربون فيه الأعداء، وعلاقة مع التونسية التي تروي طرفًا من ثورتهم على الشرطة التي تجرأوا عليها، بعد أن لم يكن أحد يجرؤ على المرور من أمامها. وعلاقة مع المصرية التي تروي له طرفًا من زواجها الفاشل؛ ليصبح السرد متواصلاً دون تقطيع، وليصبح هذا الجزء منفصلاً عن السياق العام للرواية، قلبًا وقالبًا، إلا أننا نخرج منه باستمتاع السارد بذلك الحب. والذي يعبر عنه بعد ليلة عاش فيها الحب (أخذتنا الليلة المجنونة إلى بعيد.. بعيد لأعلى مكان في سماء الحب) وهو ما خلق التناقض مع مطالب الثوّار في النهاية، والتي تطالب بحرية الحب في بيان المطالبة، الذي تجاهل وأطاح بتلك المعاناة في مواجهة الشرطة جبروتها: {انتهى الفريق الأول الذي كنت من ضمنه، بصياغة مطالبه، روجعت ونُقّحت بواسطة الجميع، ثم كتبتها (حرية الحب مكفولة للجميع ومطلب حيوي من مطالب ثورتنا المباركة وزحفنا الباسل نحو الأهرامات، لا نريده شعارًا، بل متحققًا على أرض الواقع، الحب هو ما يجلب السعادة ،لا يخضع لأي قوانين، ولا يجب محاسبة المحبين علي حبهم}.

ناقد مصري

شاهد أيضاً

أمل نصر

روعة أن تكون مجنونا لبعض الوقت .. أمل نصر(1-2)

  امتلك جيرار جاروست شجاعة سرد سيرته الذاتية في أحاديثه ، تلك السيرة الغريبة التي …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية