الترجمة: بين الهدف واستشراف المستقبل .. د. يسري عبد الغني

يسري عبد الغني

هدف‌ الترجمة‌

كان‌ هدف‌ الشعوب‌ القديمة‌ من‌ الترجمة‌ هو التعرف‌ على‌ آداب‌ وحضارة‌ بعضها بعضاً والاطلاع‌ والاستفادة‌ مما صنعه‌ الآخرون‌ والوصول‌ إليه‌ في‌ مجالات‌ الأدب‌ والعلوم‌ والفنون‌. وقد تميزت‌ الشعوب ‌التي‌ ركزت‌ على‌ الترجمة‌ بفهمها لتلاقح‌ الأفكار والثقافات‌ وإدراكها لنتائج‌ هذا التلاقح‌ وأهميته‌. وفي ‌مراجعة‌ سريعة‌ لتاريخ‌ الحضارات‌ القديمة‌ يكتشف‌ المرء أن‌ الحضارات‌ ازدهرت‌ وتألقت‌ حين‌ تُرْجِمَت‌ وتلاقحت،‌ وكانت ‌ الشكوى‌ الوحيدة‌ التي‌ سجلها الجميع‌ هي‌ صعوبة‌ وسائل‌ الاتصال‌ وبُعد المسافات، ‌والوقت‌ الذي‌ يتطلبه‌ السفر من‌ نقطة‌ جغرافية‌ إلى أخرى للاستزادة‌ بالعلم‌ والمعرفة‌ ومن‌ ثَم‌َّ العكوف‌ على ‌نقلها وترجمتها. أما اليوم‌ فقد شهد عالمنا ثورة‌ في‌ وسائل‌ الاتصال‌ والتواصل‌ بين‌ البشر بحيث‌ بدأوا يتحدثون‌ عن‌ قرية‌ كونية‌ تنطلق‌ الكلمة‌ فيها عبر الأثير أو عبر تقنية‌ الاتصالات‌ لتصل‌ إلى أبعد أصقاع‌ الأرض‌ خلال‌ دقائق‌ أو حتى‌ ثوان‌، ولهذا أخذ الجميع‌ يحلمون‌ بأن تنصهر‌ البشرية‌ في‌ بوتقة‌ واحدة ‌من‌ المعرفة‌.

دون‌ شك‌ّ كانت‌ الترجمة‌ ولازالت‌ بمثابة‌ الجسر الذي‌ تعبر الثقافات‌ من‌ خلاله‌ إلى باقي‌ المجتمعات‌ من ‌حولها، دون‌ أي‌ جواز، فهي‌ تلعب‌ دوراً كبيراً في‌ خلق‌ الحوار بين‌ الآداب‌ المختلفة‌، وتضييق‌ الفجوة‌ بين‌ مختلف‌ الحضارات‌ والثقافات،‌ وتهيي‌ء الظروف‌ لإيجاد أدب‌ عالمي‌ مشترك‌. هذا النشاط‌ في‌ حد ذاته‌ كان‌ موجوداً منذ الأزل‌، إذ مارسه‌ البشر، سواء عن‌ طريق‌ الإيماء أو الإشارة‌ أو الكلام‌ أو الكتابة‌، على‌ مرّ العصور، فتبادلوا المعلومات‌ فيما بينهم‌ وتزاوجت‌ الثقافات‌ والحضارات‌ فيما بينها أيضاً.

إن‌َّ نظرية‌ حوار الحضارات‌ باتت‌ اليوم‌ نظرية‌ عالمية‌ تحظى باهتمام‌ واحترام‌ وتقدير العديد من‌ أصحاب‌ الفكر والرأي‌ في‌ العالم‌، لاسيما المنظرين‌ والمفكرين‌ منهم‌. لأن الإسلام‌ في‌ جوهره‌ دين‌ تقوم‌ تعاليمه‌ الأساسية‌ على‌ الحوار، والشرط‌ الأول‌ لقيام‌ الحوار هو الإقرار بالتنوع‌ والتعددية‌ والتمايزات‌. وفي‌ الحقيقة‌ هذا الحوار عبارة‌ عن ‌إمكانية‌ متاحة‌ للرقي‌ وإعلاء شأن‌ الإنسان والمجتمعات‌. فلا يتحقق‌ ذلك‌ إلا عن‌ طريق‌ الترجمة‌. فكانت‌ الترجمة‌ وما تزال‌ دعامة‌ النهضات‌ الفكرية‌ والثقافية‌ للشعوب،‌ وعن‌ طريق‌ الترجمة‌ بدأت‌ النهضة‌ الثقافية‌ في‌ عصر الإسلام‌ الأول‌، إذ أدرك‌ المسلمون‌ حاجة‌ الأمة‌ إلى استخدام‌ غذائها الفكري‌، فتدفقت‌ بواسطة ‌الترجمة‌ الوديان‌ من‌ مختلف‌ الثقافات‌ العالمية‌ إلى النهر العربي‌.

فالترجمة‌ هي‌ الوسيلة‌ المفضّلة‌ للتعرف‌ على‌ ما لديى الآخرين‌ من‌ تقنيات‌ وأفكار مفيدة‌ وغنيّة‌، وأيضاً بالمقابل‌ لتعريف‌ الآخرين‌ على‌ ما لديى الشعوب‌، بكون‌ الثقافة‌ أخذًا وعطاءً وليست‌ مسيرة‌ وحيدة‌ الاتجاه‌، وهي‌ بمجموعها مرحلة‌ متتابعة‌ باستمرار لابد من‌ المرور بها لترجمة‌ وتعريب‌ كل‌ مفيد من‌ علوم‌ وتعليم‌، ولإثراء اللغة‌ وجعلها في‌ عداد اللغات‌ العصرية‌ بعلومها وآدابها وفنونها وتقنياتها المتعددة‌. إذ أن‌َّ الترجمة‌ ملازمة‌ لتاريخ‌ الإنسان، لأن‌ تعدد الشعوب‌ واختلاف‌ اللغات‌، التي‌ برزت‌ نتيجة‌ المناخ‌ والبيئة‌ والغذاء والتناسل‌، أسهم‌ في‌ الحضارة ‌الإنسانية‌ وجعل‌ ظاهرة‌ الترجمة‌ الأداة‌ الوحيدة‌ لسد حاجة‌ التواصل‌ بين‌ البشر فرادى‌ وجماعات‌، وفي‌ كل ‌أنواع‌ التبادل‌.

لقد عرف‌ الإنسان المتحضّر فضل‌ الترجمة‌ منذ زمان‌ بعيد، فهي‌ الجسر الذي‌ تعبر عليه‌ ثقافة‌ الأمم‌ بعضها إلى بعض‌ فتزيد المعرفة‌ وتعمق‌ متعة‌ الحياة‌ في هذا العالم‌. فهي‌ عكاز التقدم‌ والنهضة‌ في‌ كل‌ بلد تخلف‌ عن‌ ركب‌ الحضارة‌ لسبب‌ أو لآخر. إنها الرمز والطابع‌ لحضارة‌ العصر الذي‌ تمثله‌ كل‌ أمة‌ ناهضة‌. فقد ازداد هذا التواصل‌ بشكل‌ وفير، وخاصة‌ في‌ العصر الحاضر، بعد الترجمات‌ الحديثة‌ من‌ علمية‌ وسياسية ‌وصناعية‌ وأدبية‌، التي‌ تنطلق‌ الآن‌ قوية‌ وعارمة‌ مع‌ صدور الجرائد والمجلات‌ والقصص‌ الرائجة‌ المترجمة‌.

 

دور علماء العرب‌ في‌ الترجمة‌ وحوار الحضارات‌:

عرف‌ العرب‌ الترجمة‌ منذ أقدم‌ عصورهم‌، ولقد أشار الدكتور عبد السلام‌ كفافي‌ في‌ كتابه‌ (في‌ الأدب ‌المقارن‌) إلى أن‌ العرب‌ كانوا يرتحلون‌ للتجارة‌ صيفاً وشتاءً ويتأثرون‌ بجيرانهم‌ في‌ مختلف‌ نواحي‌ الحياة‌، لقد عرفوا بلاد الفرس‌، وانتقلت‌ إليهم‌ ألوان‌ من‌ ثقافتهم‌ وانتقلت‌ بعض‌ الألفاظ‌ الفارسية‌ إلى اللغة‌ العربية‌، وظهرت‌ في‌ شعر كبار الشعراء، وكان‌ الأعشى‌ من‌ أشهر من‌ استخدم‌ في‌ شعره‌ كلمات‌ فارسية‌. كذلك‌ عرف‌ البعض‌ جيرانهم‌ البيزنطيين‌. إذن‌ احتك‌ العرب‌ منذ جاهليتهم‌ بالشعوب‌ الثلاثة‌ المحيطة‌ بهم‌، وهي‌ الروم ‌في‌ الشمال،‌ والفرس‌ في‌ الشرق،‌ والأحباش‌ في‌ الجنوب‌.

ومن‌ الصعب‌ قيام‌ مثل‌ هذه‌ الصلات‌ الأدبية‌ والاقتصادية‌ دون‌ وجود ترجمة‌، وإن‌ كانت‌ في‌ مراحلها البدائية‌. وفي‌ زمن‌ الدولة‌ الأموية‌، تمت‌ ترجمة‌ الدواوين‌. فكان‌ العرب‌ في‌ العصور المنصرمة‌ يهتمون‌ بالترجمة‌، ولهذا ظهرت‌ عدة‌ ترجمات‌ لنص‌ واحد، فعلى‌ سبيل‌ المثال‌:

1ـ ترجم‌ أبو بشر متى بن‌ يونس‌ كتاب‌ «الشعر» لأرسطو (384-322) ثم‌ ترجمه‌ مرة‌ ثانية‌ يحيى‌ بن‌ عدي‌. فتكرار الترجمة‌ يدل‌ على‌ الحرص‌ على‌ دقتها.

2ـ ترجمة‌ كتاب‌ «كليلة‌ ودمنة»: ترجمة‌ ابن‌ المقفع‌ حوالي‌ 750م‌، ألَّف‌ كتاب‌ «كليلة‌ ودمنة» باللغة ‌السنسكريتية‌ الفيلسوف‌ الهندي‌ بيدبا وقدمّه‌ هدية‌ لملك‌ الهند دبشليم،‌ الذي‌ حكم‌ الهند بعد مرور فترة‌ من‌ فتح‌ الإسكندر المقدوني‌ لها، وكان‌ ظالماً ومستبداً، فألَّف‌ الحكيم‌ بيدبا الكتاب‌ من‌ أجل‌ إقناعه ‌بالابتعاد عن‌ الظلم‌ والاستبداد، وبهدف‌ إسداء النصيحة‌ الأخلاقية‌. والكتاب‌ مجموعة‌ من‌ الأمثال‌ على‌ ألسنة‌ الحيوانات‌. وقام‌ الطبيب‌ الفارسي‌ برزويه‌ بنقل‌ الكتاب‌ من‌ بلاد الهند، وساهم‌ بترجمته‌ من‌ السنسكريتية‌ في‌ عهد كسرى‌ أنوشروان‌ ووزيره‌ بزرجمهر، الذي‌ له‌ دور كبير في‌ تأليف‌ وترجمة‌ الكتاب‌. وقام‌ عبد الله‌ بن‌ المقفع،‌ وهو فارسي‌ الأصل‌، في‌ عهد أبي‌ جعفر المنصور بترجمته‌ من‌ الفارسية‌ إلى العربية، ‌وأضاف‌ إليه‌ بعض‌ الأشياء.

وكان‌ هدف‌ عبد الله‌ بن‌ المقفع‌ من‌ ترجمة‌ «كليلة‌ ودمنة» تقديم‌ النصيحة ‌للمنصور للكف‌ عن‌ ظلم‌ العباد، فأراد ابن‌ المقفع‌ من‌ كتابه الإصلاح‌ الاجتماعي‌، والتوجيه‌ السياسي‌، والنصيحة‌ الأخلاقية‌. ولكنه‌ نفسه‌ لم‌ ينج‌ من‌ الظلم‌ فقتله‌ الخليفة‌. ولقد حدث‌ أن‌ أعيدت‌ ترجمة‌ كتاب‌ «كليلة‌ ودمنة» إلى اللغة‌ الفارسية‌ عن‌ النص‌ العربيّ، لضياع‌ الفارسية‌، وهو الأمر نفسه‌ الذي‌ حدث‌ لبعض ‌النصوص‌ الإغريقية،‌ وكانت‌ لغة‌ عبد الله‌ بن‌ المقفع‌ جميلة‌ بعيدة‌ عن‌ الابتذال‌ وتمت‌ الترجمة‌، كما هو معروف‌ عن‌ لغة‌ وسيطة‌، لأن‌ الكتاب‌ بالأصل‌ كتب‌ باللغة‌ الهندية‌ القديمة‌، وليس‌ باللغة‌ الفارسية‌. وجرت ‌على‌ الكتاب‌ بعض‌ التعديلات‌ قام‌ بها الطبيب‌ الفارسي‌ برزويه‌ أثناء الترجمة‌ إلى الفارسية‌، وكذلك‌ أضاف ‌الوزير الفارسي‌ بزرجمهر بعض‌ الأشياء إلى الكتاب‌ مثل‌ ما يخص‌ بعثة‌ برزويه‌ إلى بلاد الهند، وأثناء الترجمة‌ من‌ الفارسية‌ إلى العربية‌ أضاف‌ عبد الله‌ بن‌ المقفع‌ بعض‌ الأشياء.

ولقد أشار إلى هذه‌ الأمور فاروق‌ سعد في‌ مقدمته‌ لكتاب‌ «كليلة‌ ودمنة‌«، فإننا لم‌ نغل‌ُ إن‌ قلنا إن من‌ أهم‌ عوامل‌ ازدهار الأدب‌ العربي‌ ترجمة‌ الكثير من‌ الكتب‌ البهلوية‌ إلى العربية‌ على ‌أيدي‌ شخصيات‌ إيرانية‌، الأمر الذي‌ فتح‌ أمام‌ الأدب‌ العربي‌ آفاقاً جديدة‌، وتعرف‌ أنماطا أدبية‌ لم‌ يكن‌ قد ألفها من‌ قبل‌. ومن‌ بين‌ الكتب‌ التي‌ ترجمت‌ خلال‌ القرون‌ الهجرية‌ الثلاثة‌ الأول‌: خداينامه‌ (سير الملوك ‌الفرس‌)، وقصة‌ بهرام‌ جوبين‌، وقصة‌ رستم‌ واسفنديار وغيرها.

ومن‌ أشهر من‌ ترجم‌ عن‌ الفارسية‌: جبلة‌ بن‌ سالم‌، وابن‌ المقفع‌، ونوبخت‌ المنجم‌ وولداه‌ موسى‌ بن‌ خالد ويوسف‌ بن‌ خالد، والحسن‌ بن‌ سهل ‌المنجم‌، وأحمد بن‌ يحيي‌ بن‌ جابر البلاذري‌، وإسحاق‌ بن‌ علي‌، ومحمد بن‌ الجهم‌، وزادويه‌ بن‌ شاهويه‌، وعمر بن‌ فرخان‌ الطبري.

ويعد تطور كتابة‌ الرسائل‌ الخطوات‌ الأولى على‌ طريق‌ ازدهار الأدب‌ العربي‌. وكانت‌ كتابة‌ الرسائل‌ في‌ صدر الإسلام‌ والجزء الأعظم‌ من‌ عصر الأمويين‌ في‌ غاية‌ الإيجاز. ومن‌ أوائل‌ من‌ وضع‌ نظاماً لكتابة‌ الرسائل‌ هو جبلة‌ بن‌ سالم‌ بن‌ عبد العزيز. ويعد من‌ أقدم‌ من‌ ترجم‌ عن‌ البهلوية‌. ونسب‌ إليه‌ ابن‌ النديم ‌ترجمة‌ قصتي‌: بهرام‌ جوبين‌ ورستم‌ واسفنديا.

 

خطوات‌ تنظيمية‌ مقترحة‌ للترجمة‌:

باعتبار الترجمة‌ «فناً تطبيقياً» فإنها تتطلب‌ ممن‌ يريد احترافها شروطاً أساسية‌ أهمها بالطبع‌ إتقان‌ اللغتين‌، أو اللغات‌، المترجم‌ منها والمترجم‌ إليها في‌ المفردات‌ والتراكيب‌ الصرفية‌ والنحوية‌ والتعابير الاصطلاحية‌. كما أنها تحتم‌ على‌ المترجم‌ أن‌ يلم‌ بالخلفية‌ الحضارية‌ والثقافية‌ لمتكلمي‌ تلك‌ اللغات‌. وفي‌ الحقيقة‌ اكتساب‌ الإنسان للغة‌ أجنبية‌ عن‌ طريق‌ الاختلاط‌ مع‌ متكلميها قد يساعده‌ في‌ التفاهم‌ معهم ‌وإيصال‌ أفكاره‌ إليهم،‌ لكن‌ ذلك‌ لا يخلق‌ منه‌ بالضرورة‌ مترجماً جيداً ومع‌ أن‌ المعاجم‌ ـ ثنائية‌ اللغة‌ ـ من‌ أهم ‌أدوات‌ المترجم‌ التي‌ لا يمكنه‌ أن‌ يستغني‌ عنها مهما طال‌ باعه‌ في‌ هذا الفن‌، إلا أنها لا تخلق‌ المترجم‌ الجيد كذلك‌. ذلك‌ لأن‌ الترجمة‌ ليست‌ مجرد استبدال‌ ألفاظ‌ من‌ لغة‌ بما يناظرها من‌ ألفاظ‌ في‌ لغة‌ ثانية، ‌وبشكل‌ آلي، أو بالاعتماد على‌ المعاجم‌، وإنما هي‌ عملية‌ صهر وإعادة‌ صياغة‌ لغوية‌. فاللغة‌ صرح‌ كامل‌ تدخل‌ في‌ إقامته‌ مواد متعددة‌ ولا تمثل‌ المفردات‌ فيه‌ إلا ما يمثله‌ الطابق‌ في‌ البناء المتكامل‌.

إن‌ من ‌يعتقد أن‌ بإمكانه‌ الترجمة‌ من‌ لغة‌ إلى أخرى بمجرد معرفته‌ مفرداتها اللغوية‌ يخطي‌ء خطأ من‌ يعتقد أن‌ بإمكانه‌ إقامة‌ صرح‌ بالطابق‌ وحده‌. على‌ المترجم‌ أن‌ يدرك‌ بأن‌ لكل‌ لغة‌ طريقتها الخاصة‌ في‌ إثراء مفرداتها بالمعاني‌ وظلال‌ المعاني،‌ مما لا يستطيع‌ أي‌ معجم‌ لغوي‌ احتواءها أو إعطاءها كاملة‌. ويجب‌ أن‌ يكون‌ النص‌ المترجم‌ سليم‌ التعبير ومتين‌ اللغة‌، كذلك‌ من‌ يترجم‌ النصوص‌ القانونية‌ أو الدينية‌ أو العلمية ‌يجب‌ أن‌ يكون‌ دقيقاً وملتزماً بالنص‌، ولا يتصرف‌ إلا بحدود متطلبات‌ التركيب‌ النحوي‌ للغة‌ المترجم‌ إليها. أما من‌ يترجم‌ الأعمال‌ الأدبية‌ فله‌ حرية‌ أوسع‌ في‌ التصرف‌ من‌ أجل‌ تحقيق‌ ما يهدف‌ إليه‌ النص‌ الأصلي‌ من‌ خلق‌ متعة‌ فنية‌، إضافة‌ إلى إيصال‌ الأفكار والأحاسيس‌ التي‌ يعبر عنها أو يجسدها العمل‌ الأدبي‌، ولكن‌ ذلك‌ لا يعني‌ أن‌ يقوم‌ المترجم‌ الأدبي‌ بالتصرف‌ في‌ أفكار المؤلف‌.

فهناك‌ مشكلات‌ متعددة‌ بالنسبة‌ للترجمة،‌ وخاصة‌ إلى اللغات‌ أو من‌ اللغات‌ التي‌ يقل‌ فيها عدد الذين‌ يتقنون‌ كلتا اللغتين‌ بدرجة‌ متميزة‌، بل‌ وكافية‌ أحياناً، وخاصة‌ فيما يتعلق‌ بترجمة‌ النصوص‌ الدينية‌. والأمر أكثر صعوبة‌ فيما يتعلق‌ ببعض‌ المسائل‌ التقعيدية‌، لأن‌ هذه‌ المسائل‌ هي‌ موضع‌ خلاف‌ كبير حتى‌ في‌ اللغة‌ الأم‌. لهذا يحتاج‌ الأمر إلى قدر كبير من‌ الحيطة‌ عند ترشيح‌ المترجمين‌، ثم‌ عند قبول‌ ترجماتهم‌. وفي ‌الغالب‌ يصعب‌ وجود أشخاص‌ بأعينهم‌ يتقنون‌ اللغتين‌ بدرجة‌ واحدة‌. وحتى‌ في‌ حالة‌ وجود أمثال‌ هؤلاء الأشخاص‌ قد يصعب‌ التعرف‌ عليهم‌. ولهذا ربما يحتاج‌ الأمر إلى إجراءات‌ احتياطية‌ خاصة‌ للتغلب‌ على ‌هذه‌ المشكلة‌. ومن‌ المقترحات‌ التي‌ قد تساعد في‌ هذا الموضوع‌ القواعد العامة‌ التنظيمية‌ التالية‌:

1- أن‌ يكون‌ عارفاً بلغته‌ الأم‌ وعلمه‌ بدقائقها وظلال‌ معانيها وأساليبها البلاغية‌ والإنشائية‌.

2- أن‌ يكون‌ عارفاً باللغة‌ التي‌ ينقل‌ منها واليها معرفة‌ جيدة‌ وعالماً بأساليبها الإنشائية‌ والبلاغية‌.

3- أن‌ يكون‌ عارفاً بأوجه‌ الشبه‌ والاختلاف‌ ومادة‌ النص‌ الذي‌ يقوم‌ بترجمته‌.

4- أن‌ يكون‌ ملماً بالموضوع‌ الذي‌ يترجمه‌ وقادراً على‌ حقيقة‌ المعنى‌ المطلوب‌ وإيجاد المصطلح‌ الموافق‌، والتمحيص‌ والتدقيق‌ في‌ صبر وطول‌ أناة‌.

5- أن‌ يكون‌ عارفاً بأسلوب‌ المؤلف‌ وإنشائه‌ وألفاظه‌ وتصوراته‌ وغايته‌.

6- أن‌ يكون‌ مستوى‌ أسلوبه‌ في‌ وزن‌ مستوى‌ الموضوع‌ الذي‌ يترجمه‌.

7- أن‌ لا يحيد عن‌ روح‌ النص‌ والمعنى‌ الذي‌ يقوم‌ بترجمته‌.

8- أن‌ يكون‌ متقناً اللغتين‌ المنقول‌ عنها والمنقول‌ منها، وإذا زادت‌ معرفة‌ المترجم‌ بأكثر من‌ لغة‌ يسهل‌ عليه‌ الترجمة‌ بحسن‌ انطباق‌ المعني‌ وإيجاد المصطلح‌.

9- أن‌ يكون‌ متعمقاً في‌ جميع‌ خصائص‌ اللغة‌ العربية‌ من‌ صرف‌ ونحو واشتقاق‌ ومفردات‌ وغيره، ومتقناً ومتعمقاً للغة‌ الأجنبية‌ المراد الترجمة‌ منها من‌ أفعال‌ وأزمان‌ وصور وغيره‌.

10- أن‌ يكون‌ أميناً في‌ الترجمة‌ والنقل‌.

11- أن‌ يكون‌ قادراً على‌ التنسيق‌ والربط‌  بين‌ المعاني‌ والجمل‌.

12- أن‌ يكون‌ قادراً على‌ التعبير عن‌ معنيى الكلمة‌ الأعجمية‌ بكلمة‌ تعادلها نصاً وروحاً.

13- أن‌ يكون‌ متقيداً بالأصل‌ ولا يعمل‌ في‌ أسلوبه‌ حذفاً واختصاراً فيبتعد عن‌ روح‌ كامل‌ المعنى وعمقه ‌الذي‌ يتبعه‌ المؤلف‌.

* باحث وخبير في التراث الثقافي.

شاهد أيضاً

رحاب السماحي

البوركيني .. وأنا .. رحاب السماحي

  لم أكن أتوقع يومًا أن أرتدي البوركيني الذي طالما انتقدته.. ذلك الزي العجيب الذي …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية