التأثير العربي الأندلسي في شِعر الإسباني فيسينتي ألكسندري .. د. محمد محمد خطابي

فيسينتي ألكسندري

مرّت مؤخّراً الذكرى العشرون بعد المائة لميلاد الشّاعر الإسباني، الأندلسي، الإشبيلي الكبير فيسنتي ألكسندري (الحاصل على جائزة نوبل فى الآداب عام 1977). وهو أحد الوجوه الأدبية والشعرية الإسبانية البارزة من المنتمين للجيل الأدبي الإسباني الشهير 1927، إلى جانب العديد من الأدباء والشعراء الإسبان الكبار أمثال فدريكو غارسيا لوركا، ورفائيل ألبرتي، وخيراردو دييغو، ودامسُو ألونسُو، وخوسّيه يِيرّو وسواهم.

قصائد حبّ من الزّمن الجميل

لقد أثرى فيسنتي ألكسندري اللغة الإسبانية وآدابَها بعطاءاته الإبداعية الغزيرة ذات الصبغة العالمية، شعراً ونثراً، إلاّ أنّ عطاءاته في الميدان الشعري على وجه الخصوص تمتاز برقتها، وعذوبتها، وجزالتها، وقوّة تأثيرها، وتنفذ أشعاره إلى أغوار النفس البشرية، وهي تناوش، وتدغدغ أعمقَ الجوانب في الإنسان.. وتخاطب روحَه، وتناجي قلبَه، وضميرَه، ووجدانَه. كما أنها أشعار تمتاز بمضامينها العميقة، وإيقاعاتها الموسيقية المميّزة.

من الكتب الرّصينة التي وُضعت خارج إسبانيا عن هذا الشاعر كتاب: “قصائد حبّ للشّاعر فيسنتي ألكسندري” للباحثة والناقدة المكسيكية أليانا ألباناـ وهي أستاذة “النظرية الأدبية” في جامعة المكسيك المستقلة بمكسيكو سيتي، والكتاب عبارة عن دراسة مستفيضة لمجموعات شعرية غزلية لهذا الشاعر الذي تخطّت شهرتُه مختلف بلدان وأصقاع العالم الناطق باللغة الإسبانية. ولقد لقي هذا الكتاب ترحيباً كبيراً من طرف النقاد المكسيكيّين  والإسبان على حدٍّ سواء. إنّ فكرة جمع، ووضع، وإخراج “قصائد حبّ” للشّاعر فيسنتي ألكسندري من طرف الباحثة الشاعرة المكسيكية أليانا ألبانا ضمن أنطولوجيا شاملة، أو فى كتاب مستقل، تعود لفرط إعجابها الكبير بهذا الشاعر الذي تقول عنه: “إنه لا ينبغي أن تنظر إلى شعره في الحبّ على أنه  شعر مقتصر أو محصور في التغنيّ بالمرأة وبمفاتنها، ومباهجها، وأنوثتها، بل إنه شعر يذهب إلى أبعد من ذلك بكثير، لأنه يتناول في المقام الأوّل الإنسان ككائن حيّ ذي خاصيّة مميّزة، وصلاته بخالقه، وبالكون المحيط به، وعليه فإنّ بعض مقطوعاته الشعرية هي أقرب إلى الزّهد أو التصوّف  منها إلى الغزَل أو النّسيب أو التشبيب.

الإبداع الشِّعري فى أوجه

تشير الباحثة في الدراسة التمهيدية التي تتصدّر الكتاب إلى: “أن الشاعر فيسينتي ألكسندري حاول باستمرار، في معظم أعماله الأدبية، الحفاظ على إقامة توازن بين الخلق الأدبي، والتحليل الأدبي. أيّ أنه لا يمكن الحصول أو بالأحرى الوصول إلى الشعر الجيّد سوى بقدرٍ باهظٍ من المعاناة والمكابدة، والصّبر والأناة، إنه كالماء النقيّ الزّلال الموجود فى باطن الأرض لا يُستخرجُ، ولا يُدرك سوى بشقّها، وحفرها، وتهشيم الحَجر”.

وبالتالي تقول الكاتبة أليانا ألبانا: “إنه ليس من السّهولة واليسر إدراك المغزى العميق الذي تنطوي عليه هذه القصيدة أو تلك في شعر فيسنتي ألكسندري إلاّ إذا بذل القارئ عناءً كبيراً، وجهداً مضنياً بمعاودة القراءة، مرّاتٍ ومرّات، والتمعّن مليّاً في مضامين قصائده وجوهرها، وتتبّع الصّلات القائمة ليس فقط بين بيت وبيت، أو بين بيت ومقطوعة، أو بين مقطوعة وأخرى، بل أحياناً بين قصائده بكاملها”. ولا غرو، فالشاعر عاش في بيئة أندلسية فاتنة غنّاء، وترعرع فى حاضرة المعتمد بن عبّاد فى إشبيلية الزاهرة، وكان من أبرز شخصيات جيل 27 الأدبي والشعري الشهير الذي يتأكد لنا من خلاله أن الشّعر العربي بشكل عام في الأندلس كان له تأثير بالغ وحاسم على الشّعر الإسباني بشكل عام فى مختلف العصور والدهور.

وقد ظهر هذا التأثير بالفعل في إبداعات العديد من الشّعراء الإسبان، وعلى طليعتهم فيسنتي ألكسندري نفسه، وكذا لدى الشاعر الغنائي خوان رامون خيمنث (الحاصل على جائزة نوبل فى الآداب كذلك عام 1956) وخيراردو دييغو، ودامسو ألونسو، كما ظهر هذا التأثير بشكل جليَ أيضاً لدى الشّاعرين الكبيرين المعروفيْن الغرناطي فدريكو غارسيا لوركا، والقادسي رفائيل ألبرتي (نسبة إلى مدينة قادس الإسبانية).

وقد أكّدت الكاتبة الإسبانية – الكتلانية كلارا خانيس بشكلٍ واضح في دراسة تاريخية لها مستفيضة حول “الشّاعرات العربيّات في بلاد الأندلس” هذا التأثير العربي في شعر  فيسينتي ألكسندري (أنظر مقالاتي حول  هذا الموضوع بالذات التي نشرت فى تواريخ متفاوتة فى جريدتيْ “القدس العربي” اللندنية، و”الأنوار”  البيروتية وسواهما).

الرّسالة المغربية

وتتعرّض هذه الأنطولوجيا الشعرية إلى بعض الدراسات النقدية، والأدبية التي أنجزت حول شعر فيسنتي ألكسندري، وعن ذكريات الشّاعر في شبابه، ولقد اعتمدت الكاتبة فى دراستها لشعره بالخصوص على أعماله  الشعرية الكاملة التي يسجّل فيها هذه الذكريات، وقد تضمّنت هذه الأعمال بعض مراسلاته إلى المجلات الأدبية والشعرية الشابة، ومنها رسالته الشّهيرة التي تحمل عنوان “الرّسالة المغربية” وهي عبارة عن رسالة أدبية حميمة مطوّلة موجّهة إلى الشّاعرة الاسبانية التي كانت تقيم فى المغرب، ترينا مركادير مؤسِّسة وصاحبة أقدم، وأوّل مجلة صدرت فى المغرب باللغتين العربية والإسبانية عام 1947 بمدينة العرائش (شمال المغرب) وهي مجلّة “المعتمد” التي نُشر منها 33 عدداً فى الفترة المتراوحة بين 1947 و1956، وقد سجّل الشاعر ألكسندري في هذه الرسالة الطريفة إعجابَه الكبير بهذا العمل الأدبي الرّائع، وبهذا الزّخم الإبداعي البديع الذي أسهم فيه بقسطٍ وافرٍ على قدم المساواة فى ذلك الزمن المبكر أدباء مغاربة وإسبان على حدٍّ سواء، كما ضمّن الشاعر فى هذه الرسالة – (التي نشرت فى العدد 26 من هذه المجلة الصّادر فى شهر أغسطس عام 1953، والتي أدرجها ألكسندري نفسُه فيما بعد فى الجزء الثاني من أعماله الكاملة) – ضمّنها ذكرياته حول زيارته لمدينة تطوان أو ( تطّاوين) المغربية (شمالي المغرب). وهو يصف فى هذه  الرسالة  الأدبية هذه المدينة الجميلة التي تحمل لقب “الحمامة البيضاء” بأسواقها، وأزقّتها الضيّقة، وشوارعها الفسيحة، ومآذنها الجميلة، ومعالمها، ودورها، وقصورها، وبساتينها الغنّاء، ذات الطابع، والمعمار، والتأثير الأندلسي الموريسكي الجميل، ومحلاتها، ودكاكينها، وأناسها، وصنّاعها المَهَرَة، وهم منهمكون في صناعاتهم التقليدية والإبداعية الشعبية المتوارثة المُبهرة، كما أنه يتحدّث  فى هذه الرّسالة عن صديقيْه الأديبيْن المغربييٍن المرحومين محمد الصباغ وأحمد عبد السلام البقالي، ولقد كانت هناك فيما بعد مراسلات أدبية رائعة بين محمد الصباغ والشاعر فيسنتي ألكسندري. وبعد وفاة الشاعر الإسباني الكبير في 14 ديسمبر (كانون أوّل) 1984 كتب الأديب محمد الصبّاغ مرثية جميلة مؤثّرة وبليغة نشرها فى جريدة “العَلَم” المغربية يرثي فيها صديقه، وصفيّه الرّاحل الشّاعر الأندلسي الإشبيلي الرقيق، ولقد قمتُ إبّانئذ بترجمة مقالة الصبّاغ من اللغة العربية إلى اللغة الإسبانية، ونشرتها في نفس تلك السنة جريدة “الرّأي” المغربية الصّادرة فى الرّباط فى نفس التاريخ المذكور ضمن طبعتها باللغة الإسبانية.

الشاعر فيسينتي ألكسندري من مواليد مدينة إشبيلية فى 28 أبريل 1898 (أيا) –  والمتوفىّ بمدريد  فى 14 ديسمبر (كانون الأوّل) 1984.

*د. محمد خطابي.. كاتب وأكاديمي من المغرب، عضو الأكاديمية الإسبانية- الأمريكية للآداب والعلوم- بوغوتا- ( كولومبيا).

شاهد أيضاً

أمل نصر

روعة أن تكون مجنونا لبعض الوقت .. أمل نصر(1-2)

  امتلك جيرار جاروست شجاعة سرد سيرته الذاتية في أحاديثه ، تلك السيرة الغريبة التي …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية