البنات لسن ألطف الكائنات .. رحاب السماحي

رحاب السماحي

 

أخيرًا؛ قيض لي أن أطلق زفرة حارة ممزوجة بألم عميق، استمر معي سني عمري كلها، وأنا الآن وحدي تمامًا أرى الأمور بجلاء أكثر من ذي قبل، بعيدًا عن إغراء الصداقة، تلك الثمرة المحرمة التي أخرجتني من فردوس ذاتي.. قد يغضب البعض من شهادتي ولكن لا بأس، فأنا طريدة جحيم بنات جنسي.

أكاد أرى نفسي الآن فتاة هادئة نحيلة شعرها قصير، تتلفت حولها بريبة وسط أقرانها، تخاف من الأولاد ولا تقوى على مجاراة جرأة البنات وخبثهن، ولكن هذا كله لم يكن يكفيني ليوغر قلوب الفتيات مني، فكنت للأسف متفوقة، وكان المدرسون لا يوقعون عليّ أي عقاب مما يسومون به باقي التلاميذ، فكانوا بالطبع يتذمرون محدثين جلبة تهتك صمتي وتتحدى سكوني.

 

كنت أجلس متململة لا أدري أهي منحة أم شئ آخر عرفته فيما بعد، إنها اللعنة التي ظلت تطاردني حتى الآن. حاولت جاهدة خلال طفولتي اكتساب صديقات ولكني كنت أفشل في الاستمرار.. فعقليتي البسيطة لم تكن تتماشى مع عقلياتهن المعقدة، وكأن فراشة تلحق بمكوك فضائي، وبالفعل احترقت بنار لم أشعلها لكني للأمانة لم أعدم بعض الصداقات التي أفشلتها الفتيات أيضًا.

 

لن أعفي نفسي من المسئولية، فقد كنت وما زلت أتقن جيدًا حتى بدون قصد إثارة غيرة صديقاتي.. يبدو أنني تعلمت درس الصف جيدًا.. مشكلتي أنني أنزه الصديقة عن الغيرة وكأنها ملاك مجنح ترك السماء خصيصًا لأجلي.. والنتيجة معروفة سلفًا، وخطيئتي الكبرى في علاقتي ببنات جنسي أنني أمنح الصديقة «كارت» صلاحية مدى أو شيك على بياض، ولا أتوقع أبدًا احتمال ولو ضئيل بالتخلي وإنهاء الصداقة، حتى صداقاتي طويلة الأمد طالها الفساد لنفس الأسباب المعضلة.

الحقيقة أننا كلما نكبر في العمر يصبح تكوين علاقات أمرًا بالغ الصعوبة، والآن يتملكني شعور حقيقي لا زيف فيه أنني لن أنعم بصداقة عميقة كما كنت أحلم.. صداقة نكبر فيها سويًا ونضحك ونبكى دون خجل، وقد يكون هذا النوع من العلاقات الذي طالما رنوت إليه ليس له وجود أصلاً بين الفتيات، والصداقات مجرد حاجات مشتركة ومراحل عندما نتجاوزها تصبح الصداقة بلا جدوى، ولهذا فقد قررت أخيرًا أن يظل مقعد الصديقة كما أراها  شاغرًا،  وسأعود هنيئة البال إلى وحدتي الأثيرة التي طالما ألهمتني أكثر مما علمتني الحياة نفسها، وأعترف أنني مناهضة للنسوية، فالمرأة للمرأة ليست فقط أسوأ صديق، بل هي قنبلة بلا توقيت، قد تنفجر في أي وقت، والعاقبة ستكون وخيمة على الطرفين، وبصراحة البنات لسن ألطف الكائنات!

شاهد أيضاً

سيومي خليل

عن كرة القدم بين الشمس والظل .. سيومي خليل

  كتب الكاتب الأورغواني غاليانو كتابا جميلا عن كرة القدم اسمه «كرة القدم بين الشمس …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية