البرد بلغ مداه .. وائل خورشيد

وائل خورشيد

 

لقد كان مساءً بطيئًا في مروره، باردًا في كل لفتتاته المختلفة، ثم تلاه ليل أبرد، ثم شروق باهت، حيث لم تطلع الشمس، وغيمت السحب فوقنا، فكان نهارًا كئيبًا، مملاً، الوجوه يابسة، لا ابتسام ولا ماء.

لم يكن هو المساء الأول، ولا النهار الأخير، البرودة ضربت كل شيء، لم يعد هناك من سبيل للفكاك من هذا الأمر، حتى لو قضيت كل لياليك على جمرة مشتعلة، ستجدها قاتمة، إنه الشعور بالأشياء التي ضاعت. 

البرد ظل يتغلغل بداخل كل شيء، ظل ينخر في كل ما عهدناه سويًا، حتى بات مسوسًا نتنًا، جاهدنا كثيرًا علّنا نشعر بالدفء، أذكر أحدهم أشعل النار في منزله حتى مات هو وأسرته، ومع ذلك ظل الكل باردًا.

هذه المساءات التي كانت عادية لم تعد كذلك، والطعام لا يسمن، والماء لا يروي، والكلام كأنما لم ينطق، لم يعد لشيء جدوى، وخطورة الفعل أصبحت أكثر أثرًا من الركون والاستكانة، رغم أن البرد بطبيعته يحتاج إلى الأكل والحركة كما عهدنا دومًا.

حكايات الشتاء، والحب تحت المطر، ومداعبة قطرات الماء، ومحاولة الإمساك بواحدة منها حيّة والنظر من خلالها لمن تحب فتراه بلوريًا لامعًا خياليًا، كل هذا كان ممكنًا قبل أن يصل البرد إلى مداه، فلم يعد هناك تحت المطر سوى صرعى، والبلورة لا تظهر جمادات مثلجة. حتى كلمات الحب في تشرين كما يقولون قد تجمدت أثناء خروجها وفي طريقها لسبيلها، والقاتل قطرة ماء من مطر الرومانسية سابقًا، اخترقت قلب المعنى.

حلّ البرد، الصقيع، كل شيء تجمد، كنا نعلم أنه قادم، ونتمنى أن لا يجيء، لكنه أتى، وأمنياتنا لم تمنع القدر، ولم نحرك ساكنًا، لأننا لم نعد قادرين على الحركة. أذكر سيدة عجوزا كانت تبيع بعض الورود الذابلة الباقية، مررت عليها ذات يوم، فوجدتها قد تحولت لتمثال في متحف شمع، كل ما حولها على حاله، لكنه شاحب، حتى تلك المجاهدة، تلبست البرودة روحها.

أتتجمد الأرواح؟ لم نكن نعرف هذا المصطح قبل ذلك، كنا نسمع عن الأطراف، ربما الشرايين والدماء، لكن لم نعهد هذا المعنى من قبل، حتى حدث، وككل مرض عضال يصيب البشرية، يظل فتاكًا، حتى يأتي قوم آخرون ليغيروا خريطة الأشياء، ويضعوا حوله قفصًا قادرًا على احتوائه، ولكن حتى هذه اللحظة الأخيرة، تكون إيذانًا بظهور مرض آخر أشد فتكًا.

ماذا في الأمر.. أكل الأمور ستؤول إلى نفس الطريق، أم هو البرد الذي أصاب أفكارنا الآن، هو الذي جعل العالم يبدو كأنما لا سبيل له سوى الفناء!

شاهد أيضاً

محمد لومعراف

لماذا الفلاسفة؟ .. محمد لومعراف

  ترجمة من الإسبانية عند أحد باعة الكتب، نواحي نوتردام وبعيدًا عن الزمن وأيادي القراء، …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية