البحث عن شيخ القبيلة .. سيومي خليل

سيومي خليل

 

صاحت زوجة شيخ القبيلة في الحشد الذي تجمع لرؤية المعجزة صيحةً سمعتها الفيافي والآفاق البعيدة والسماوات العالية:

-هذا ابن شيخكم وزعيمكم وقائدكم.

الشيخ مات قبل عقد من الزمن، استيقظت القبيلة على خبر وفاته كأنه هزيم رعود لم تشهدها السماء يومًا ما. كيف يموت الشيخ المؤسس للقبيلة؟ ما الذي حدث فوق الأرض جعل قلب الشيخ يتوقف ويترك كل أبناء القبيلة أيتاما؟ الشيخ حين كان شابًا جمع بعض الرجال الأشداء وتزعمهم وأخبرهم بنيّته جمع شتات هذه الدواوير المتقاتلة.

كان حكيمًا ونافذ البصيرة، استطاع أن ينقل هؤلاء القوم الجلف من عيشة سيئة كانوا يعيشونها إلى عيشة أفضل، يحسب له أنه أول من أدخل على هؤلاء القوم أشياء كثيرة؛ منحهم طريقة القضاء في الساحات، أنشأ لهم مدارسَ صغيرة، ونظم لهم طريقة توزيع المياه على الأراضي، وعلمهم كيف ينشئون بيوتًا طينية أفضل، وكيف يأثثونها بشكل أجمل، تدخل حتى في طريقة بناء الزرائب والحظائر، وألقنهم أحسن السبل لعلاج البهائم والشياه والحمر…

لم يترك زعيم القبيلة الجديد شيئًا لم يفكر فيه، زوّج وطلّق، حكم بالبراءة والجَلْد والنفي من القبيلة، سامح وعاقب، أعدم المتمردين في الساحات واحتفل بالأوفياء.

قيل إن زمن مشيخته وزعامته للقبيلة كان زمن النور، لم يشعر أحد من هؤلاء القوم بمظلمة نزلت بهم، وما كانوا يضيعون وقتهم في المخاصمات المجانية التي كانت تظهر أحيانًا بينهم، لم يحدث كسادًا أو جفافا، وما غلت الغلة أبدًا؛ كان الشيخ يتحكم في مسؤولي الحسبة الذين عينهم لنفسه واختارهم من أوثق الناس، طلب منهم أن لا يغادروا الأسواق، وأن يضبطوا بشكل صارم أثمنة الخضر والفواكه والحبوب واللحوم بكل أنواعها، والعطور والأثواب وغيرها مما يحتاجه الناس.

زمن مشيخته كانت، كما قيل، الطيور تحط بجغرافيا القبيلة الواسعة دون أن تخاف جوعا، الآبار والسواني والأقنية التي هندس لها بنفسه والسدود الصغيرة التي شيدها على الأنهار كانت لا تفرغ من الماء، لم يمت في هذا الزمن كائن ما عطشا، ولم يُقتل عابر  سبيل، ولم يُسرق مواطن آمن، وما اشتكت امرأة ظلمًا جائرًا أوقعه عليها ذكر ما.

في ذلك الصباح الذي وُجد الشيخ والزعيم ميتًا فيه أظلت الأرض سحب غائمة، اعتبرها الناس عنوانًا للحزن على الزعيم. اليوم كله لم تظهر فيه الشمس، وظل الجو مغبرًا حزينًا وباكيا.

قيل إنه وُجد على فراشه مبتسمًا، اعتقدت زوجته أنه يضحك لها، لكن حين طالت ابتسامته حرّكته بلطف لتفجع ببرودة جسده. قالت إنه كان قطعة ثلج باردة.

بكى الزعيمَ الناسُ جميعًا، من لم يذرف يوما دمعًا ذرفه هذا اليوم، ومن لم يذرف على ابنه أو زوجه أو أبيه دمعًا ذرفه على الشيخ. غسّلوه وصلوا عليه وواروا جثته الثرى ثم عادوا خائبين إلى بيوتهم.

كل واحد منهم كان يعرف مقدار الفاجعة التي ألمت بالقبيلة، فالزعيم الذي يعرف كل شيء، والذي نجح في جعل الناس فرحين بحياتهم، مات، ثم أنه – وهذا هو أساس الفجيعة – لم يترك ابنًا بعده يخلفه المشيخة.

تداول الناس في الذي يجدر به تولي المشيخة، لم يجدوا في كل هؤلاء الناس جديرًا بهذا الأمر الجلل، فكلهم كانوا بسطاء، رعاة غنم، وفلاحي أراضٍ، وإسكافيين، وأصحاب مقاهٍ تقام في الأسواق الأسبوعية، ومربي دجاج وأرانب وغيرها. ليس في هؤلاء القوم من عنده بصيرة الشيخ وحكمته ورجاحة عقله وشجاعته.

حاروا في الأمر كثيرًا ثم عادوا لزوجة الشيخ الوحيدة يفتونها في الأمر. لم تكن الزوجة تتوقع وفاة الشيخ بهذا الشكل، لم تحسب لهذا اليوم حسابا، فهي الوحيدة التي عرفت عيب الشيخ وحملته معها، وعرفت السر وراء تعففه عن النساء. لقد آمن الجميع أن الشيخ لعفته رضي زوجة واحدة، بل أشاعت زوجته أن حبه الشديد لها جعله راضيًا بها وحيدةً وواحدة، وقال آخرون إنه يتحاشى فتنة النساء كي لا تلهيه عن الحكم والعدل.

الزوجة هي الوحيدة التي كانت تعرف أن الشيخ القوي لم يأتِ نصيبًا ولا حظًا في الجنس، وأنه عنّين عنة تامة لا علاج لها، وأنه غير راغب فيه وغير قادر عليه .

في يومها الأول معه قال لها بحكمة الشيوخ:

–  أنا أتزوجك لأني يجب أن أتزوجك لا غير، لا رغبة لي فيك ويجب أن  لا تكون لك رغبة فيّ، أتزوجك لأن الشيخ يجب أن تكون له زوجة .

عرفت الزوجة أنها اعتقلت في جلباب الشيخ وعمامته وسبحته وقوته وحكمته إلى آخر العمر. عاشت معه خادمة وسيدة معًا، وعرف هو كيف يرضيها كي لا تمل هذه العيشة، ونجح في تسويق عفّته أمام النساء حين أظهر حبًا واحترامًا كبيرين لزوجته، فكان الناس كلما رفض دعوة إلى أنس أو رفض خادمة تخدمه في بيته أو دعوة من سيدة جميلة وغنية يقولون إن الوفاء لزوجته هو ما يدفعه لهذا الرفض. شاع أن الشيخ وفيٌ وطاهرٌ وحكيمٌ وعادلٌ، ولم يكن أحد ليشكك ولو قليلاً في كل هذه الخصال النبيلة.

حين جاء الناس عند زوجة الشيخ يفتونها في أمر من سيتولى المشيخة بعده شعرت بعجزها التام، فلم تخلف ابنًا منه، وما كان لها أن تخلف ابنًا منه، وما كانت تستطيع خيانته والحمل من غيره، لأنه يعرف علّته وصارحها بها منذ أول ليلة قضاها معها. نظرت إليهم في صمت ثم قالت :

–  لنترك الأمر للأيام فهي التي سترينا من سيتولى المشيخة بعده .

أعجب الحضور رد الزوجة، وإن لم يعجبهم الأمر فما كانوا قادرين على رفضه، فلا أحد داخل هذه القبيلة اللعينة يجيد القراءة والكتابة، ولا أحد منهم مارس السياسة، وعقول أذكاهم تفهم في الزرع والري والتربة، ثم أنهم ما كانوا يطلبون مشيخة، وما كانوا يريدون جاهًا ولا حكما، بسطاء ولدوا وبسطاء يريدون العيش، لم تغرهم حلاوة الحكم ولا وجاهة السلطة، بل حتى الذين فكروا للحظة أن من حقهم أن يتولوا المشيخة تذكروا أن الشيخ الميت لم يترك لهم بعده ما يمكن أن يبرزوا فيه، وخافوا أن تكون مشيختهم أقل شأنًا من مشيخة الزعيم المؤسس، وتخيلوا كل الكلام الذي يمكن أن يقال في حكمهم وتسييرهم، لذا آثروا أن لا يعبرون عن رغبتهم في الحكم.

سيشير الجميع للزوجة بالموافقة على جوابها، وسيغادرون إلى بيوتهم متخيلين أن الشيخ باقٍ في منصبه يسيّر القبيلة.

مرت السنتان الأوليان كأن الشيخ بالفعل لم يمت. ظلت الأمور كما كانت، وظل الأمان هو نفسه، وحين ظهر خصام بسيط بين فلاحين اثنين قال أحدهما في سذاجة وبساطة :

– لنذهب عند الشيخ لنحتكم.

لقد نسي الناس أن شيخهم مات. ذهب الفلاحان إلى بيت الشيخ الذي ما زالت تسكنه زوجته مع بعض خادماتها اللواتي عينتهن بعد موت زوجها. طرقا الباب فخرجت خادمة تسألهما ما يريدان. أوصلت الخادمة أمر الخصام بين الفلاحين للزوجة. استغلت الزوجة الأمر وأفتتهما فيما هما يختصمان حوله. لم تقل لهما شيخكما مات، بل تقمصت جلباب الشيخ وحكمته، ونسيت هي الأخرى أن الشيخ مات .

سيطبع الناس مع الأمر، وسيبدأ الناس بتقديم شكاواهم إلى بيت الشيخ، وستقوم الزوجة بعمل الشيخ، ثم ستعمل على تعيين من ينظمون أمور الناس، وتدبير أيامهم ومعاشهم وحياتهم، ستكون من وراء الستار الشيخ الذي يريده ناس القبيلة .

بعد السنتين الأوليين ستظهر بعض المشاكل، ستبدأ بعض العصابات وقطاع الطرق تغير على الفلاحين وتسرق الشياه والأغنام وتعيث في الأرض فسادا، لكن مع هذا لم تكن موجة ظهور قطاع الطرق موجة عامة ومؤثرة، فقد كان ذكر وجود الشيخ الذي مات ولم يمت يكبح الكثير من أفراد هذه العصابات، ولم ينتبهوا أن الشيخ الذي يحكم الآن هو شيخة تتحرك من وراء ستار.

بعد مرور أكثر من ست سنوات على وفاة الشيخ ستضطرب الأحوال أكثر، وسيمل الفلاحون الذهاب إلى بيت الشيخ واقفين منتظرين سماع حكم في قضية دون أن يخرج لهم، لقد استيقظوا فجأة من هذا الدور البليد الذي مثلوه، استيقظوا من هذه المسرحية التي لعبوا فيها، والتي من خلالها خلقوا الشيخ من جديد وتعاملوا مع الأمر كأنه واقع. بدا لهم كل ما فعلوه مجرد وهم كبير، وآن لهم الآن أن يبحثوا عمن يعيد للقبيلة هيبتها وأمنها.

سيبحثون عمن يتولى المشيخة لكنهم بعد ست سنوات لن يجدوا إلا لصوصًا متهافتين على الحكم، ولن يعثروا إلا على شداد آفاق طالبين الحكم من غير أن تكون لهم حكمة ولا شجاعة ولا جرأة. كيف سيولون عليهم لصوصًا بعد أن حكمهم شيخ لم يُجد الزمان بمثله؟

كانت الزوجة تعلم أنه مهما رفض ناس القبيلة اللصوص حاكمين لهم إلا أنه سيأتي وقت يرضون بأي حاكم كيفما كان، لذا جمعت سكان القبيلة وأخبرتهم حلمها الغريب :

–  لقد حلمت بالأمس أن شيخكم المرحوم وطأني كما كان يطؤني حين كان حيًا، وأنا الآن أحمل نطفته وابنه ووريثه الشرعي ..

بدأ الناس يهللون ويصيحون .

قالت:

–  بعد تسعة أشهر من حلمي هذا سأضع وليد شيخكم المبارك.

شاهد أيضاً

ديمة محمود

هذا الطائر .. ديمة محمود

  رَفّ رفتين أو ثلاثًا قَطفةٌ لِعنقودين ثمّ حطَّ رِمشٌ ينضجُ زهرةَ ماء تتدحرجُ ضحكةٌ …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية