الباحث عن الدفء الإنساني .. رحاب السماحي

رحاب السماحي

 

بزيّه البهلواني العجيب، وجلبابه الفضفاض، وبصف من الأزرار الصغيرة، ورابطة عنق جذابة يتعلق بها بأذيال الأناقة، وشعره الأشعث الرمادي الطويل الذي يطل من خلف قبعته المشغولة بخيوط حريرية، وشاربه الخفيف وذقنه التي تُركت بلا اهتمام يُذكر؛ يجلس متأنقًا على كرسيه الخشبي العتيق.. يحتسي قهوته الباردة بانتشاء غريب.. قد تبدو علاقته بالقهوة والكتب أهم العلاقات التي ينعم بها الآن.

يقرأ كتابًا يحكي عن وعود الله لأهل النعيم.. يحاول أن يقنع نفسه أنه سيكون عما قريب واحدًا منهم، ولكنه سرعان ما يقلب شفتيه متبرمًا ويحادث نفسه «طيب ما يمكن أدخل النار.. حد ضامن».

يحاول أن يمنّي نفسه ببعض الراحة من الحياة بالموت، وبعض الألفة والونس، حتى إذا زُج به في الجحيم سيكون أكثر احتمالاً من جنة بلا صُحبة.. بلا دفء إنساني.

اعتدل في جلسته ونظر إلى الشرفة المقابلة ليجد جارته الشابة التي تزرع نباتات وزهورًا في صناديق بلاستيكية موضوعة بعناية على حافة السور.. يراها تعتني بالنباتات كأم ترعى صغارها بولع وحبور.. تطمئن على أن كل النباتات بخير، ثم تجلس هي الأخرى تحتسي الشاي والشمس.. تستجدي القدر أن يمهلها بعض دقائق أخرى لتبقى مختبئة بين الغيام.. تودّع الأرض بقبلة عابرة ملتهبة لتبقى في حضرة الرجل صاحب الزي الغريب الباعث على الضحك والرثاء في آن.

يلقي ببصره فيرى بائع الفاكهة ينادي على بضاعته بشغف، فيوقفه وينزل من بيته تاركًا كتابه ملقى على حافة الشرفة.. يتهادى في مشيته رغمًا عنه كما يبدو، ويطلق ضحكات مرحة مع البائع وكأنه صديق من أيام الصبا، ويقول له «كده حسابنا كام يا سكر»، ويخرج من جيبه محفظة قديمة ولكنها تحتفظ ببعض من رونق بعيد، ثم يأخذ ما اشتراه من فاكهة ويعتلي السلم إلى شقته.. يضع الفاكهة على منضدة طويلة وكأنه أخيرًا تخلص من عبء ثقيل.. فالأقدام لم تعد تفي حتى بالأنشطة الاعتيادية.. لم يكن يفكر مثلاً في تسلق جبل إيفرست.

عاد من جديد لجلسته.. كانت جارته تحتضن كلبها في سعادة طاغية.. نظر للفنجان الفارغ وعبس وجهه وهو يحاول صد هجمة الذكريات البربرية على ذهنه.. تذكّر زوجته الراحلة وهي تداعبه حين تعد له قدحًا من الشاي بعد وجبة سمك دسمة.. تذكّر ثرثرتها عن جارتهم التي كانت تتعمد نشر غسيلها قبل أن تجف ملابسهم. كل شيء كان طازجًا وساخنًا كدموعه التي انطلقت بتأنٍ من أسرها، تحاول أن تهدهد وجنتيه برفق علّه يجد بعض العزاء، حتى جرفته الذكريات بمنتهى القوة كإعصار تسونامي، لتقتلع قوته وتلقي بها بعيدًا، وتجرّده من تحمّله وصبره على فراق ولديه.. فقد طارا بعيدًا كل في قارة، وكأنهما يضنان عليه حتى بالتجاور في قارة واحدة.. كفف دموعه التي انهمرت فجأة، وأمسك بفنجانه وقلبه علّه يعرف ما تخبؤه له الأيام.. هل سيموت وحيدًا أم سيجد من ينتشله من شباك الوحدة ويموت قرير العين، ممسكا بيدين دافئتين تدفئان قلبه في لحظاته الأخيرة.

شاهد أيضاً

ديمة محمود

هذا الطائر .. ديمة محمود

  رَفّ رفتين أو ثلاثًا قَطفةٌ لِعنقودين ثمّ حطَّ رِمشٌ ينضجُ زهرةَ ماء تتدحرجُ ضحكةٌ …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية