الأيادي الثلاث لمنال .. سيومي خليل

سيومي خليل

 

كنت أعرف منال قبل أن تختفي نهائيًا دون أن يعرف أحد أين ذهبت.

عينا منال كانتا عيني منال فقط، لم يكن بهما ما يثير أو ما يجعلك لا تنظر فيهما؛ غائرتان فقط وليس بهما شيء، مما يجعلك تتخيل أن بهما كل شيء.

حين كنت أنظر في عيني منال أشعر بريح خفيفة كأنها تخرج منهما، ريح شبيهة بما يمكن أن تأتي به المراوح والمكيفات الكهربائية. إضافة إلى عينيها الغريبتين كان فقرها غريبًا أيضًا، لم يكن شبيهًا بفقر يمكن وصفه، والأكثر أن رؤيتها في الشارع كانت توحي بأنها ليست كذلك. لم تنس يومًا أن تعتني بهندامها رغم أن فقرها كان بإمكانه أن يخرجها عارية وقطعة لحم باردة وهزيلة. مع فقرها لم يكن لها أحد، الأقارب الذين من المفروض أن يكونوا عند شبيهات منال لم يكونوا عند منال، ولا بجوارها، أو حتى في ماضيها. كانت تشبه شجرة وحيدة نبتت داخل كومة من المعادن الصدئة، لكن الشجرة عرفت كيف تحافظ على أوراقها.

لمدة عرفت منال كيف تديم أوراق شجرتها وتزودها بالكلوروفير اللازم لحياتها. استطاعت، بمكابدة متعبة، أن تحفظ ماءها، لكن الجفاف كان يأخذ منها ومن الماء. التعب بدأ يظهر على عينيها، وصار غورهما ـ بدل أن يكون فارغًا من أي شيء كما كان، مليئًا بذرات سوداء متكاثفة غيبت بياضهما.

بدل أن أستمر في الإحساس بتلك الريح التي تخرج من عينيها صرت أشعر بكثافة السواد الذي غابت فيه منال. لم أتصور أن التعب بإمكانه، أكثر من نشر السواد، القيام بإنبات يد ثالثة لمنال.

نعم صارت لمنال يد ثالثة؛ ليس ما أقوله مجازا أو كناية.

هناك اليد اليسرى

وهناك اليد اليمنى

وصارت عند منال اليد السفلى.

هناك يد الله

وهناك يد الشيطان

وصارت عند منال يد الفقر، ونواجذه بعظتها، وجثته الكبيرة.

يد ثالثة بين اليمنى واليسرى، تقع في الوسط، لم تنتج عن تشوه خلقي، أو خطأ في الجينات، إنما سببها المباشر تشوه في الحياة نفسها، اعوجاج مقيم في الاقتصاد، وسوء تقدير من القدر.

يد منال الثالثة قاومت خروجها كثيرًا، لكنها أشبهت المولود غير المرغوب فيه الذي لم تنجح الطرق التقليدية للإجهاض في التخلص منه.

قاومت منال خروج اليد الثالثة بالابتسامة، بفائض صبر كانت تقطره كل ليل من أحلامها وسحابات دعائها، بأمل تمده كخيط يربط قلبها بقلب إله أحبته وآمنت أنه يحبها، ولن ينشغل عنها بكنس الشياطين من السماء السابعة.

فشلت كل أشكال المقاومة وبدأت اليد الثالثة تظهر صغيرة بأصابع خمس تشبه قرون الفلفل الحمراء الصغيرة، ثم بعدها وحين انتشر السواد أكثر بدت اليد أكبر؛ يد متكاملة، لا ينقصها شيء.

يد ثالثة سفلى وضعت قفازًا أسود.

لم تكن منال راضية أبدًا عن يدها تلك.

تقول لي:

إنها تمتد دون رغبتي لمن لا أحب، تخرج فجأة وتمتد أمام وجه الغرباء.

بعد أن نبتت اليد الثالثة لمنال بدأت تختفي، تقلصت كل يوم بضع سنتمترات، كلما امتدت اليد الثالثة أكثر أمام الغرباء تقلصت سنتمترات أخرى إلى أن اختفت تمامًا دون أن يتم معرفة إلى أين.

هناك من قال إنها سافرت في أول رحلة لمملكة الأيادي الثلاثة. آخرون فقط أشاروا إلى أنها تحولت نفسها إلى سواد وتلاشت في الفراغ. هناك أيضًا من قال إنها عرفت طريقة للانتحار لا يجد المحققون بعدها الجثة ولا تعلم الجرائد أي خبر عنها.

أنا فكرت في أمر آخر.

شاهد أيضاً

رضى كنزاوي

هبوط اضطراري .. رضى كنزاوي

  معنوياتي منهارة كالاتحاد السوفيتي قلبي بارد كأكياس الرمال عند الخنادق الحربية حزني طويل كعارضات …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية