الأنوثة والرّجولة بين الحالة الاقتصاديّة والسوشيال ميديا .. شيماء رؤوف

شيماء رؤوف

 

‎قديما كان يعيش الفلاح فلاحًا.. ‎يعمل في أرضه التي يعدّها جزءًا منه، يزْرعها يتسابق مع محبوبته وسط الحقول سِرّا وتنسل من بين يديه سريعًا كي تضع الخبز في الفرن، بعد أن أخذ كفايته من الشّمس، يتزوجها ينجب الأبناء يسعد بالتفافهم حوله إلى أن تنتهي  رسالته في الحياة.

‎أما عن أهل المدن؛ صحيح كان لهم النصيب الأوفر من الراحة قليلاً، إلا أنه لطالما حكمتهم «الأصول».. ‎كانت ثمّة «عائلات محافظة»، أب موظف يذهب للعمل، تجلس زوجته وسط الجارات للنميمة والنظر في حال فتيات وشبّان الحيّ و«توفيق رأسين في الحلال».

‎أما اليوم فإننا بين السوشيال ميديا والحالة الاقتصاديّة العامّة ضائعون في المنتصف.. فالسوشيال ميديا تغزونا، تُرينا عوالم أخرى مجهولة لم نكن نعلم عنها شيئًا، حيوات لأشخاص آخرين يملكون كل شيء بينما لا تملك أنت أي شيء، تدفعك للكفر بكل ما تملك، تزعم أن العالم لدى أشخاص آخرين غيرك جميل منظم وسعيد، بينما أنت الأتعس في الوجود، يُروّج للسفر بينما لا تملك الحريّة، ترى الأجساد الممشوقة بعد الكثير من عمليات التجميل بينما لم تؤتَ من الجمال سوى القليل المعتدل، تصوّر أنواع الطعام المختلفة والمطاعم العالميّة، بينما متوسط دخل الأسرة بالكاد يكفيها للخروج مرّة أو اثنتين في الشهر.

‎المنازل تصوّر على أنها جنّات، وما خفي لا يمت للجنّة بشيء.. ‎منحتنا السوشيال ميديا والعولمة الكثير من الصراعات.. بيننا وبين أنفسنا نريد أن نكون كما يصوّر لنا، بينما لم نفكر يومًا أن كل الأشياء ليست كما تبدو. ‎ليست وحدها السوشيال ميديا التي فعلت، فظروف البلاد الآن تفعل ذلك.. إنها تنتزع القوامة الكاملة من الرجل ومن ثم لا تشعر المرأة أنها جزء منه، قد خُلِق من ضلعه، لطالما ظلل الرجل القديم على بيته وأولاده، كان مصدرًا للأمن والأمان والسكن.. ‎أما اليوم فالمنزل لا يقوم بمال الرجل وحده، إن لم تسانده زوجته فلن تكفي نقوده لآخر الشهر، نحن مربوطون في ساقية ليس لنا خلاص منها.. بالكاد نوفّر المأكل والمشرب أو حتى نشتري قطعة ثياب جديدة بعد شهرين أو ثلاثة من الادخار.

‎ليس الرجل وحده ما يُسلب منه أشياء لم تعد موجودة، فالمرأة الآن تفتقد للحياة الاجتماعيّة، لجانب الترفيه، لطالما استمتعت المرأة الريفية بحديث الجارات بعد أن تنهي مهام منزلها، أما الهوانم فقد اجتمعن في النوادي أو في حفلات الشاي، الأيام هنا تلفّنا، تدفعنا لدأب دائم متواصل لا منقطع للحصول فقط على لقمة العيش.

‎جميعنا يعلم أين الصواب والخطأ، وتكمن الأزمة في المجتمع المنقسم الذي سيقف واضعًا يده على خصره رافعًا حاجبه ممسكًا بعصاه ينتظرك أن تخطئ، ليمارس الجميع ازدواجيته عليك.

‎يصارع القروي اليوم ليتمسك بكل شيء يجعله متمدينًا، بينما يسعى أهل المدن ليلمسوا أي شيء يوصلهم إلى العالميّة، يتحدث أحدهم بفخر عن الأشياء المبهرة صائحًا «كما لو أنك في أوروبا بالضبط».

لا أعلم إلى متى سيستمر هذا التيه، لكنني أعلم جيدًا أننا في مرحلة انتقالية لن يصمد أمامها العالم طويلاً.. ‎الأشياء الدخيلة علينا تؤرقنا وإن تظاهر الجميع بالتحضّر والتّمدن.

‎يصارع الرجال هنا لِـقبول «تحرر» زوجاتهم، وتجاهد الفتيات ليكنّ متحضرات أنيقات ربّات منزل طاهيات منظفات مربيات فاضلات.. ‎انقسمت النساء قديمًا إلى قسمين: ‎ربّات منزل تكمن أهدافهن في الحياة في تربية أطفالهن، إعداد طعام جيّد، سفرة يتحدّث عنها أهل زوجها، وإعداد نشء جيّد لمواجهة الحياة.. ‎بينما أخريات كنّ «هوانم» بالوراثة.. يستيقظن صباحًا للحمّام الدافئ المخلوط بماء الورد، يرتدين الفساتين والحلي والمجوهرات، يقضين وقتهن بين نساء المجتمع الرّاقي مثلهن، في النوادي، السهرات، والحفلات.

‎أما عن نساء اليوم فإنهنّ مطحونات بين الاثنين، تريد أن تكون جميلة لها شأن في مجتمعها صاحبة مكان وعمل، وطاهية ماهرة وربّة منزل وأمًا لأطفال.

‎وانقسم الرجال قديمًا إلى قسمين: ‎البعض كان موظّفًا بسيطًا تجاور الوظيفة قطعة أرض يزرعها بعد انتهاء ساعات عمله بالحكومة، يكافح لأجل إطعام أبنائه، كان قواّمًا على نسائه يقوم بدوره في النفقة كطرف مساهم في تكوين الأسرة.. غيور على عرضه.. ترتدي نساؤهم الأردية المحتشمة ولا يتعامل مع النساء إلا في أضيق الحدود.

‎والآخرون كانوا من الطبقة الأرستقراطيّة التي تسمح بأن تراقص «زوجته» أي شخص من الموجودين بالحفل، يتزوجون من بنات العائلات الهوانم، يتباهى بها وبذوقه وحسن اختياره، وكله رضا، والجميع في طبقته قد شبّ وشاب على ذلك.

‎أما اليوم فالرجال تائهون ما بين «الرّيف والمدن».. يريدها صديقة متحررة، جامعية، ذات عقليّة فذّة، عاملة وطموحة، طاهية جيّدة، خبّازة مبهرة، مربية فاضلة، وموظّفة.

‎السعي وراء الماديّات يجعل عقولنا لا تفكر، سباقات الحياة جعلتنا في أماكن غير مكاننا، الريف لم يعد كافيًا للعيش، انتقلوا للمدن وضاعوا في زحامها، ألِفُوها، توددوا إليها أدمنوها، وشيء في نفوسهم يمنيهم بالعودة التي لن تجيء.

‎كما أن أهل المدن لم تعد تسعهم المدن، أعمالهم لم تعد تطعمهم، تساندهم نساؤهم ويساند الكل كله علّك تستطع إلى الحياة سبيلا.

‎لطالما سعى الرجال، المتحررون الآن، لتلك التي تضرب كتفهم في المزاح، تدخن برفقتهم، تقبّلهم بعد طول غياب، تناقش القضايا الثوريّة المهمة، وتطلب الدليفري ليتناولوه سريعًا، تتحدث في كل أمور الحياة، لكنه إذا ما أراد الزواج يأخذه الحنين للريفيّة الجميلة ذات الضفائر الطويلة، كي يباهي بطهيها أمام أمه وأخته التي «ترمّ عظمه» بالفتّة وشوربة الكوارع.

‎إننا مسحولون هنا بين مطحنتي الحياة الاقتصادية والسوشيال ميديا، تبدلت طبائعنا.. لا نحن قادرون على العودة حيث كُنّا، ولا نحن نُضاهي الأشياء الجديدة الدخيلة علينا فنرتاح.

شاهد أيضاً

محمد لومعراف

لماذا الفلاسفة؟ .. محمد لومعراف

  ترجمة من الإسبانية عند أحد باعة الكتب، نواحي نوتردام وبعيدًا عن الزمن وأيادي القراء، …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية