الأموات يروون الحكايات (6 ــ 49) .. سيومي خليل

سيومي خليل
سيومي خليل

 

رواية الخيال: كلب الحراسة جيرمن شبرد

(2)

إحدى صديقات زوجة قتَّال الكلاب طلبت أن أخصب كلبتها. قالت لها «أعطني كلبك لأيام، سأضعه مع كلبتي، أريد جراءً تشبهه». وبدأت تلاعب فروي بأصابعها الرقيقة. زَوجة قتَّال الكلاب ابتسمت، وقالت لصديقتها «أنتِ من عليكِ أن تحضري كلبتك إلى هنا».

بعد يومين كانت كلبة من نوع اللابرادور باسم أنوشكا معي بسطح منزل قتَّال الكلاب. أَنْستني الكلبة أحاديث قتَّال الكلاب وزوجته. أنبح كل صباح سعيدًا بوجُود أنوشكا جنبي. نسيت كل شيء يتعلق بالماضي في مدة وجود أنوشكا معي. قلت لأنسَ قليلاً، ولأستمتع بأيامي مع هذه الكلبة. بعد أيام جاءت صاحبة الكلبة لتأخذ وديعتها. شكرت زوجة قتَّال الكلاب، وغَمَزَتْنِي بشكل مثير. سأظل وحيدًا بعدها. كان عزائي الوحيد في وحدتي هو تذكر عائلتي التي أبيدت من طرف مالكي الآن.

***

كان الزمن السابق زمن أَوج عائلتي؛ موكو المؤسس الأول، والآباء الأولين المؤسسين، والحفدة بعدهم، شكَّلنا مملكة لم تدم إلا ثلاثة أجيال قصيرة الزمن لا غير. جيل الجد المؤسس، وجيل الآباء الأقوياء، وجيل الأبناء المّبَارزين. وُجدنا تحت ظل سطوة حمد الهاتر. السطوة هنا كانت هي جنونه تحديدًا، فلم يكن لعاقل أن يربي ذلك الحشد من الكلاب، لم يكن لرجل بسيط وملتزم لا يتميز بأي جنوح متعالٍ أن يصاحب جوقة من الكلاب في شوارع المدينة. لا أحد غير حمد الهاتر استطاع في تاريخ المدينة أن يشكّل هذا التجمع من الكلاب كما شكّله هو.

***

سمعتْ الكلاب الشريدة الأخرى والضالة بتجمعنا، فَسعت إلى الانضمام إليه. الكلاب تعلم أنها لن تشكّل لوحدها أي قوة، لن تكون رقمًا مهمًا إن ظلت معزولة تبحث عن قوتها في المزابل، وتقعى هزيلةً على أرصفة الطرقات المتعددة، وتنتظر قطعة عظم يرميها إليها جزار متجهم.

مع حمد الهاتر كانت الحرية والمساواة واضحة بين الكلاب، بل كانت أكثر وضوحًا مما كانت عليه عند بني البشر. لا يفرض حمد الهاتر قيودًا على الكلاب الجديدة. على الكلاب الجديدة فقط أن تجيد النباح لا غير، لكن الجد موكو كان صارمًا في قبول الكلاب الجديدة. كل كلب جديد يلتحق بجماعتنا كان يتعرض لامتحان عسير من طرف الجد موكو كأنه سيدخل الجيش. يقف الكلب أمام موكو دون أن ينبس بنباح، يلف موكو ببطء حوله، يَتَشَمّمُه جيدًا، ويعرف أصله، وأيًا كان أصله فلا بد أن يكون أصلاً غير هجين. ليكن الكلب من أي صنف، دبرمان، أو شيواوا، أو الجولدن ريتيريفر… كل هذه الكلاب أصيلة، لكن إن شم موكو أن أصل الكلب أمامه هجين كالبيتبول، أو البوكسر… يبدأ بالنباح واستدعاء الكلاب الأخرى لطرد هذا الدخيل.

***

 يومئذ لم أفهم لِمَ يرفض جدي الكلاب الهجينة، لكني الآن أعرف. أعرف أن الهُجنة هي التي تركت بني البشر تائهين. حين يقبل موكو الكلب الجديد يسأله عن إخلاصه ووفائه لمبادئ الكلاب. يُجيب الكلب بكل حماس أن كل ما تعلمه من طرف أجداده الكلاب هو الأصل وأن الباقي مجرد زوائد يجب التخلص منها. حين يتيقن موكو من أن الكلب مناسب للانضمام إلى جوقة حمد الهاتر يطلب منه القسم أمام الكلاب جميعًا .

يقول موكو للكلب «كرر معي القسم :

أشهد أني كلب، أموت على ديدن الكلاب، أعيش عيشتهم، أتحدث لغتهم، أسكن مساكنهم، وأدافع عن حمد الهاتر الإنسان الوحيد الذي عاملنا ككلاب، تحدث معنا، سَوَّى بيننا، وأحبنا كما يحب المرء أبناءه الصغار».

ينتهي القسم، وتبدأ الكلاب بالنباح في وقت واحد.

***

كل يوم يكبر القطيع، ولأننا لم نكن نهتم بالعد، فالواحد عندنا يعني الجميع، والجميع يعني الواحد، اعتمدنا على إحصاءات بني البشر. هناك من قال إننا كنا فوق المائتي كلب، بين كلاب ناضجة وجراء كثيرة. هناك من قال إننا لم نتعدَ المائة. لكن إشاعات كانت تقول إننا كنا أكثر من ذلك بكثير، وأن سرقة الناس لبعض الجراء كان هو السبب لعدم تجاوزنا هذا العدد. وآخرون قالوا إننا كنا عشرات فقط، وأن الأمراض كانت تضعف تجمعنا هذا. كان الكلام يتكاثر كالفطر السام حولنا، لكن ما كان يقوله لنا موكو هو أن نمشي بثقة، وألا نَلتفت لكلام البشر، ولا إلى مسألة العدد هذه، وأن نحمي تجمعنا من كل السرقات التي تطال الجراء الجميلة. انتبه موكو أن الجراء تقل أحيانًا، وتختفي دون سبب واضح، وحين نقل له أحد الكلاب ما سمعه عن سرقة الناس لبعض فصائل الجراء الجميلة، استشاط غضبًا، وبدأ ينبح. لم يغضب موكو لسرقة الجراء، فإناث الكلاب وَلُودَة بشكل دائم، بل أغضبه أن تتعرض ملكية حمد الهاتر للسرقة. «ليس على أحد من الناس أن يقتحم عشتي» هكذا كان يقول حمد الهاتر للكلب موكو كل مساء.

غَضِبَ موكو في وجه الكلاب التي تتناوب على الحراسة، وقام بتعيين كلاب أخرى، لكن الجراء الجميلة ظلت تُسرق، وأحيانًا كانت تزداد وتيرة سرقتها بشكل ملحوظ، ومع ذلك ظلت جماعتنا متماسكة على الرغم من هذا الاختراق، فلم تنجح كل تلك التهديدات التي أطلقها جيران حمد الهاتر في ثَنْيه عن تبني جماعتنا، وردًا لجميله هذا، ومساندته غير المشروطة لنا، كنا نذود عنه بأرواحنا، نحرسه بشراسة، ونمنع كل المتطفلين الذين يريدون إهانته من الاقتراب منه. كنا عاجزين فقط عن الأطفال. الأطفال وحدهم من لم يسمح لنا حمد الهاتر بالنباح في وجوههم. كان هذا الأمر يزعج موكو كثيرًا. سمعته مرارًا يحدّث حمد الهاتر عن هذا المنع، لكن حمد الهاتر يصر على قراره. يقول «الأطفال ملائكة الله، أحبّته، إنهم أنقياء، رغم أنهم مشاغبون، ما زالوا لم يدنسوا أنفسهم بأرذل الصفات المكتسبة، إنهم يشبهون حبّات ثمار ستنضج بشكل جيد إن وجدت من يرعاها بصدق». ينبح موكو بشدة، يريد أن يرد ردًا معارضًا، لكن إشارة من يد المجنون تمنعه. حينئذ فهمت أن موكو خائف على حمد الهاتر، الأطفال أكثر أذى من الكبار، إنهم لا يعرفون ما يفعلون، ولا يعرفون أن الحصى الصغير الذي يرمون به الأحمق أكثر إيلامًا من الرصاص.

وأنا أسمع هذا الحوار بين جدي موكو وراعينا حمد أشعر بالشفقة تجاه هذا الأحمق، هذا الإنسان الطيب الذي زاده الجنون طيبة أكثر.

***

حمد الهاتر كان هو الشخص الوحيد الذي مَشت في جنازته جموع من الناس الذين أشفقوا على نهايته المأساوية، ومشت مع هذه الجموع حشود من الكلاب المختلفة. لقد مشينا جميعًا وراء جنازته المهيبة، ورغم أن الناس منعونا في بداية الأمر من المشي جنبهم، لكنهم حين رأوا إصرارنا على حضور الجنازة  تركونا لحال سبيلنا، بل إن الكثير من الناس شكروا الله وهم يروننا نلاحق مالكنا إلى مثواه الأخير. كنت أسمع الناس يَقُولون «الكلاب أكثر وفاء من البشر، رحمة الله حلّت على عبده حمد الهاتر عبر كلابه، إنه دليل محبة الله».. لكننا نحن الكلاب لم نكن نؤمن بكل كلامهم الفارغ هذا، فوفاؤنا هو الدافع الوحيد الذي جعلنا لا نتخلى عن راعينا إلا بعد أن حُجبَت رائحته عنا بسبب حفنة من التراب.

***

في ليلة قتل حمد الهاتر فكرنا نحن الحفدة أن ننتقم من قتلته الثلاثة، لكن قتَّال الكلاب كان أسرع منا، وبدأ يبدينا جميعًا، ولأني كنت مختلفًا نجوت من القتل، وها أنا الآن مجرد مخصِّب لكلبات صديقات زوجة قتَّال الكلاب.

يلعن أبوها حياة .

شاهد أيضاً

محمد عادل

شوبان .. محمد عادل

  أستمع أحيانًا إلى موسيقى شوبان وأقول في نفسي: «كيف لرجل لم يشهد بشاعة الطاعون …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية