اسم السمكة .. عبد العزيز دياب

عبد العزيز دياب

 

لما بدأت البنت ترسم السمكة شَغَلَنَا جميعًا هاتف لحوح: لا تتركوا البنت ترسم السمكة، لا تتركوا البنت…، منها سيأتي الخطر.

اكتشفنا أننا كنا فريسة لهذا الهاتف، مط أبى شفتيه ولوح، لابد أن كائنًا خفيًا كان ينفخ في الفضاء حول أذنيه، تجاهلنا كل ما يحوش البنت عن أداء رسالتها، خرجت أمي، غابت بعض الوقت، عادت وهى تحمل ألوانًا كثيرة اشترتها من مكتبة «ميكي»: ألوان الجواش.. الزيت.. الأقلام.. الفحم.. الألوان المائية.

تَوَجَّهَتْ إلى الصغيرة «سوسن» التي تجلس تحت شجرة الجوافة منهمكة في رسم السمكة، قدمت لها الألوان، ألقت نظرة عليها واشتهتها كسمكة حقيقية تحتاج طاهية محترفة.

لم يتحمل أبى أن تمر الأمور بهذا الشكل، قام بمبادرة من عنده بعد أن سأل نفسه: ما أمر تلك التهيؤات إذا كانت السمكة مجرد صورة؟

ترك مجلسه على الدكة المحفوف بالمسليات: حمص وفول سوداني، فستق وتمر، مع أشيائه: مسبحة ومصلية، مَذَبَّة وصندوق تبغ، توجه إلى الصغيرة، سألها، كانت دهشتها ساطعة وهى تقول: هي فقط سمكة.. مجرد سمكة أسميتها «لوليتا».

انتظرنا ولم يحدث شيء، بل تجاوز الأمر ذلك كله، فلم تَكْتَفِ البنت بالسمكة، إنما رسمت عنزةً، وقطةً، وعصفورًا.

كنا لا نزال نَتَحَسَّبْ لما يمكن أن يَشْغَلَنا بشأن الكائنات الأخرى التي رسمتها سوسن، لكن لا شيء بالنسبة للعنزة، والقطة، والعصفور، اتركوا الصغيرة ترسمها حتى لو قفزت عن اللوحة تلهو حولنا فلن يحدث شيء، فقط هي السمكة.. السمكة.. السم…

قالت أمي: لا تنشغلوا كثيرًا، دعوا الأمور تمضي لما هو محسوب لها.

مرت الأيام، نسينا الأمر برُمَّتِه حتى جاء اليوم الذي عرفنا فيه أننا كنا نعيش لحظات حقيقية، ذلك اليوم الذي كبرت فيه السمكة وصارت متوحشة، لدرجة أنها هاجمت المصطافين ومنهم أسرتنا المبجلة، تذكرنا سمكة «سوسن» الصغيرة، وعرفنا أنها جاءت من الأعماق البعيدة تقصدنا.

«كيف نسينا لوليتا سمكة سوسن الصغيرة؟».

تذَكَّرَتْ أمي أنها استحوذت على سمكة الصغيرة، علقتها أمامها في المطبخ بحجة أنها ستحفزها على عمل أصناف مبتكرة من أكلات السمك، لكن الأمر لم يستمر طويلاً، فسرعان ما نسيت أمي ـ بعد أن افتقدت وجودها ـ أنه كانت ههنا سمكة، يدي الشقية استطاعت أن تنزع رسمها عن الحائط، وخيل إليَّ منذ تلك اللحظة أنني في ماء، أي مكان تتواجد فيه السمكة هو بالطبع ماء، ولا ينبغي أن يقع مطبخنا داخل أي مد أو جذر، يطفىء شعلات البوتاجاز ويمنع أمي عن الوفاء بمواعيد وجباتها، وتقع تحت عربدة لسان ذلك الجالس على دكته يحدث كائنات يخترعها.

لا أعرف لماذا جاءني خاطر بأن السمكة مسمومة، فهل تمثل سمكة مثلها أي خطر إلا إذا كانت مسمومة، وَضَعْتها في حقيبة، أغلقت عليها جيدًا، استأجرت مركبًا، رحت أضرب عنق الموج بمجدافيَّ، كنت في طريقي إلى أعالي البحار، ذلك المكان الذي سمعت عنه كثيرًا في التلفاز، لا أدرى لماذا توهمت أيضًا أن الريح ستأتي، وأن الموج سيصير كالجبال، ويتحطم مركبي على طريقة «مرزوق» بطل أوبريت «تاج الجزيرة»، وأنني لم اصطحب معي سلطانية الفول لتكون ـ عندما يحدفني الموج على أرض الجزيرة ـ هديتي لملكها، تصلح أن تكون تاجًا له، فيعذبني، ويعذب معي السمكة.

قلت أنا أولى بسمكتي، فحذفت البحر، والمركب، والموج، والجزيرة، والملك من خطتي، قلت أعذب السمكة بيدي قبل أن يعذبها غيري، بالفعل أذقتها كل فنون العذاب ورميتها في موضع غير كريم.. تذكرت الآن بعد أن توحشت السمكة وهاجمتنا أنه كان غرفة مجاري، لابد إنها ظلت تسبح حتى وصلت إلى البحر.

لكنى لا أعرف كيف صارت السمكة شريرة، لابد أنها لجأت إلى مأدبة في قاع البحر كانت تجعل حجمها يزداد كل يوم، بل كل ساعة، حتى صارت شريرة ومفترسة.

«وقد أصَرَّتْ البغيضة على الانتقام»، هكذا كنت ألهج بهذه العبارة خوفًا ورعبًا.

من يومها وأنا أفَكَّرْ في جميع الطرق التي تبعدنا عن شراسة وانتقام سمكة قمت وحدي بمعاملتها معاملة غير كريمة.

شاهد أيضاً

قيس عبد المغني

اندمي .. قيس عبدالمغني

أطلقي أثر الفراشة في مجاهل الحزن وفي تفاصيل البلاد التي تسكن في دمي.. اندمي ستوفرين …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية