ارتجال الواقع  .. محمد مسعود

محمد مسعود

كالعادة وكما هو الحال كل صباح، أجلسُ على مقعد الحديقة ومعي فنجان قهوتي البارد، أراقب المارة، أتفحص تفاصيل وملامح وجوهم جيدًا، تشدني عينان ثاقبتان لامرأة لطيفة أحس أنها مليئة بالوفاء، ترسل خيوط بسمتها إليّ دون أن يدري قلبها، فقد تعودتُ عليها حتى في خيالي.

كالعادة وكما هو الحال كل صباح، أتأمل السماء، أراقب ظل الشجرة، أغني مع الطيور، وأنظر إلى البنايات والبيوت، ويدفعني الفضول إلى التأويل ما الذي يحدث عند نوافذها و مالذي حدث حتى أصابتها الشيخوخة، بينما أراقب الطفل الذي يزعج أمه بالاختفاء، تظل هي تصرخ بإسمه وتبحث عنه، وهو يختبئ خلف الأشجار ليلعب معها، وحينما تمسكُ به امه يبداً الطفل بالصراخ، هكذا أجلسُ بقرب ثلة رجال يتحدثون عن المرأة، والجنس والسياسة، وأخيرًا الحرب!

يتكرر المشهد

يصنعون القصص، يفبركون الحبكة، يضحكون على الرجل المجنون الذي مر من امامهم ونسوا أنه كان ذات يومًا بعقله الذي هو بميزان جلستهم الفارغة من المنطق، بينما الام تبحثُ عن طفلها، تزداد أالصفراء بالظهور!

لكن ثمة مفترق طرق يجعلك تسأل: لماذا كل هذا؟

وذات يوم جاء رجل عجوز بعكازه وجلس على نفس المقعد الذي أجلس عليه، وأطلق تنهيدة سمعها جل رواد الحديقة ما عاد جلسة اللامنطق، كان العجوز يبكي كثيرًا، ظننت أنه قد سرقه لص محترف وسلب كل ما بحوزته، تساءلت مع نفسي كثيرًا، واقتربتُ منه، وسألته: ما بك ايها العجوز؟ هل لي بمساعدتك؟

أجاب وعلى خده دمعة:

 “بلادي كل يوم تموتُ في نظري، لقد سقط ابني الوحيد ضحية جلوس الآخرين على كرسي السلطة، سلبوا حامل اسمي، سندي في الدنيا، قتلوا ابني “سلطان” الخلوق المهذب، الذي كان يفكر باستكمال دراسته لأجل مساعدة بلاده، كان دائمًا يقول لي إنه يحتاج لدعمي حتى ينجح ويرفع رأس بلاده، فماذا تريدني أن أفعل يا ابني! ماذا؟”

انتابني شعور شديد بالحزن والبكاء بغزارة حتى تغرق بدموعي بيوت الذين سرقوا أفراحنا، اشتعل بداخلي بركان غضب، أمسكتُ بيد العجوز وقلتُ له بصوت خافت:

“أتسمح لي أن أناديك، يا أبي، فأنا أيضًا خسرتُ أبي، وأفتقده كثيرًا”

قال العجوز:

“لعلك تشبه ابني المغدور وتحيا مثل الطيور، اما أنا فقد أشبعتني مراحل العمر ضربًا جراء الخيبات، وتعبتُ من الحياة، أريد أن أبكي”

يتكرر المشهد

والأم تبحثُ عن طفلها، الطفل يختبئ خلف الشجرة، الرجال يضحكون، وفي لحظة، سمعتُ ذلك العاقل بزمانه، المجنون يتكلم بصوت مرتفع، ويحمل عصا بين يديه، وينظر إلى السماء قائلاً لها: ” الرحمة”

هززت رأسي مرتين، تأسفت على حالنا، نظرتُ إلى الشمس، تفحصتُ وجوه الناس، الأشجار، البنايات القريبة من الحديقة والسيارات المارة على الطريق.

ثم لعنة الحرب ورجال الجنس والسياسية، وأخبرتُ تلك الأم عن لعبة طفلها وغادرت المكان.

طفقتُ أمشي إلى أن وصلتُ الكورنيش، هناك لم أقابل أحدًا، جلستُ وظلت عيني تتابع أمواج البحر، وفي لحظة ما سمعتُ صدى صوت يقول: “ثمة غول قد زرانا ذات ليلة وعبث بدواخلنا وجعلها تموت ببطء دون أي مبرر، هكذا كما العجوز والرجل المجنون وكما الأيام والعمر!”

* ليبيا.

شاهد أيضاً

شريف عابدين

بأقل قدر من وهج  .. شريف عابدين

  تألقي.. بأقل قدر من وهج يتأجج في هدوئه المعتق منذ استرسال كاليستو كقمر رابع …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية