ابنُ العاصفةِ .. عبد اللطيف رعري

عبد اللطيف رعري
عبد اللطيف رعري

 

ابنُ العاصفةِ

لساني  من نار ولا يحرقُ ماء النّهر

لانّ الغابة تجرُ ذيْلَ الليل

لتقصُّ أظافره..

وأذرعي من قصب ولم أفقأ عين الشمس..

وأخبئ في معطفِي الزجاجي

مفتاحَ الأجدادِ

لأداهمَ القمر في عزلتهِ..

عُيوني التّي تربّت على مُغازلةِ المدّى

لا تُبالي بفتاتِ الطيورِ

وما كُحلها العربي إلّا مسلكًت للأبدِ..

لهذا غمزي يُسقط رَذاذًا

تهواهُ العَرائِس

ليُخطن فسَاتينَ الفرحِ..

لم يرتدْ يومًا طَرفي دونَ تقبيلِ السّماءِ

ولم تمُر نفْحةُ الياسَمينِ دُون تعْطيرِ

صُدورِ العاشقينَ

ولمْ تهْدا عاصفةٌ دون اصطيادي

شياطينها السَّبعة..

ورشِّهم بالملحِ

***

ابنُ العاصفةِ

مُيولِي للتَّمرُدِ والعِصيانِ جَبلةٌ مِن إلهٍ يعرفُني

لسَنِّ قوانينِ الربُّوبيةِ

 

أقذفُ من فمي جَمرةً جَمرتينِ..

وأطْوي الكونَ في سُباتٍ عميقٍ..

أصومُ عن الكلامِ..

أجدِدُ البيْعةَ وطقوسَ السَّلامِ..

حتى تهدأ نارُ اللهِ فاهْدأ بالتَّمامِ..

لأنّ ترَاتُبيةَ القَداسةِ في أعرافِ المَولى صلاةٌ وتصْديق

منذ احترَاقِ الأنا فِي إنَاءِ الغدْرِ

حين توالتْ نكْسةُ السَّماءِ.

وكأن الخِلاف منَّا منَ البدءِ..

الخِلافُ صُنعُ الإلهِ لنُقرَّ بمبدأ التَّفاوُتِ بيننا

الخِلافُ سهْوٌ فِي الكِتمَانِ..

الخلاف ظلٌ وارِفٌ يُزيِّنُ السَّكينةَ

حين ينشَغلُ

الرّبُ بتأثِيثِ الوجُودِ..

***

ابنُ العاصفةِ

وقَدرِي النَّارِي ألهَمنِي أنَّ السَّماءَ تمنحُنِي

سُلطَةَ الفِعلِ والافتِعالِ..

أنْ لا أمشي في دهاليزِ الموتِ وحيدًا.

وأنْ لا أقفَ بزَيٍّ قابلٍ للاحتراقِ

أمام فَوهةِ البُركانِ

فمنذُ غزْو الماء لعُيونِي

وأنا أهَدْهِدُ النّيرانَ لتبْلعَ حَبّةَ الحياة

فيفيضُ العالمُ من جديدٍ

بخلقٍ يَطوِي النّارَ في جُيوبِ الماءِ

ويزْرعُ الشّمسَ ألماسًا للذِّكرى

الموتُ والنّارُ يأكُلانِ ولا يشبعانِ من حولي

الموتُ لا ينتهي برُوحٍ واحدةٍ يأخُذها

حالةُ العَوَدِ تؤرقُ الموتَ..

الموتُ يأتي عاريًا فلِمَ نُجبِرُ موتانا على البَياضِ..

الموتُ ليس نارًا

الموتُ ليس ريحًا.. الموتُ ماءٌ بكُل الألوانِ

الموتُ برائحةِ التُرَابِ..

الموتُ يسْتمِدُّ القداسةَ من لاهُوتيةٍ مُتَفرِّدةٍ

تمنحهُ صِفة التّخفي..

الموتُ يأخذُ ليبقَى وحدهُ الموتُ

***

ابنُ العاصفةِ

يشْفعُ لي انتمائي لخلقٍ مَوسُومٍ بالتّخفّي

أن أكرِّرَ فوضَوياتي

في أبعد حدٍ مِن حالي

فأصْرخُ حتّى الجنونِ..

وأبْكي حتّى جنونٍ آخرَ..

أرْكضُ بلا هدفٍ وراءَ السّرابِ..

أحْرِقُ الصحراءَ بوَهجِ العيونِ

وأغْزِلُ بِرمادِها قُماشًا يدَثِّرُ الغابةَ

منْ ظُلمِ اللَّيلِ..

أرْحلُ بعرَائي كما شئتُ كُل شِبْرٍ مِن العرَاءِ..

أعْشقُ ثمّ أكْرَهُ أخونُ الملحَ..

أصَلِّي بلا وضُوءٍ في ساحاتِ العِشقِ..

ألثُمُ الغَجَريّات ببيَاضٍ في قارِعةِ الَّطرِيقِ..

أتبوَّلُ في شوارعِ الحارةِ

أمام عَجُوز

ماتَ زَوجُها ليلة عُرسِها..

أحْرقُ أسْمالَ الفُقرَاءِ وأخلِطُ رَغِيفهُم بالتُرابِ..

ألعَنُ كبيرَ القَومِ وأسْيادَ البِلادِ..

أعَرِّي عَورَاتهُم للرِّيحِ..

أنْشدُ الأغْنياتِ الحزِينةَ في الأعْراسِ..

وأغْوِي أهل المَجدِ بالأنَانيةِ

وأوَسْوسُ

لِحرَمِهمْ

بالخِيَّانةِ..

أكْفُرُ بكلِّ شَيء حتّى الإلحادِ ثُمَّ أعودُ إلى ديني الأصْل..

أصْمُتُ طوِيلاً وأتجاهلُ كُلَّ اللُّغاتِ..

أنفُثُ فِي الطُّرُقاتِ ولا أعْتذِرُ من أحدٍ.

أقْبلُ كُلَّ الأسْماء وأتِيهُ بلا اسْمٍ..

أجُوعُ أكْثرَ مِن لَيلةٍ

وأعْطشُ

وأتَمرَّدُ

وأفتَرِشُ الأرْضَ وأنسى إنسانيتِي..

***

ابنُ العاصفةِ أنا..

لا يسْتقِرُ حالي على حالٍ

لساني من نارٍ ولا يحرِقُ ماءَ النّهرِ

مُيولِي للتَّمرُد والعِصيانِ جَبلة مِن إلهٍ يعرفُني

لسَنِّ قوَانينِ الرُبُّوبيةِ

 

ابنُ العَاصِفةِ..

يشْفعُ لي انتمائِي لِخلقٍ مَوسُومٍ بالتّخفِّي

أن أكَرِّرَ فَوْضَوياتِي

في أبعد حدٍ من حالي..

وأمُوتُ كما أشاءُ

* فرنسا ـ نيم.

شاهد أيضاً

محمد عادل

شوبان .. محمد عادل

  أستمع أحيانًا إلى موسيقى شوبان وأقول في نفسي: «كيف لرجل لم يشهد بشاعة الطاعون …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية